ملح الأرض/ “موازنة في زمن الحرب… كيف يُدار اقتصاد الأزمة؟”

بقلم: خالد ماسا
(*) صناعة المعجزات..
وهذا التوصيف تم استخدامه بواسطة الدكتور/ كامل إدريس رئيس الوزراء في الجلسة التي أجازت مشروع “الموازنة الطارئة” للعام المالي 2026م، والتي اعتبر فيها أن ضبط الإنفاق الحكومي وزيادة الإيرادات الحكومية وحسن إدارة موارد الدولة يصل إلى حد المعجزة في وضع كالوضع الذي يعيشه السودان أثناء الحرب المستمرة لسنوات.
الأرقام الحكومية التي عُرضت في مشروع موازنة العام 2026م قالت بأن هنالك معدل نمو في الناتج المحلي بلغ 9% إضافة إلى وصول متوسط معدل التضخم إلى خانتين بـ 65%.
الأرقام المقروءة أعلاه، وهي مكتوبة على الورق الرسمي الحكومي، بالفعل تجعل من الموازنة المالية للدولة “معجزة” يصعب تصديقها عند قراءة ورقة “معاش” الناس، وعند قياسها بالمؤشر الذي يفهمه المواطن السوداني بعيدًا عن النسب المئوية، ألا وهو مؤشر “قفة الملاح”، وهو المؤشر الذي ظل على الدوام وحتى في أوقات السلم يهزم أرقام الورق الرسمي بالقاضية الفنية، لأن المسافة بين سماء الأرقام وأرض التنفيذ الفعلي للسياسات الاقتصادية مسافة بعيدة جدًا.
في الظروف الطبيعية وأوقات السلم عادة ما يعكس الورق الرسمي للموازنات أولويات التنمية والاستثمار، أما ونحن الآن على مستوى موازنة الحرب فإن هذه الأرقام المذكورة تتحول بالموازنة إلى وثيقة سياسية أكثر من أنها ورقة مالية تعطي الحقائق الأقرب إلى الأرض وتبتعد عن التوصيفات الإنشائية.
(*) أرقام تتنفس تحت الماء..
وزير مالية الحكومة تحدث عن “بشريات” زفها للمواطنين، أجملها في تحسين الأجور والمرتبات والمعاشات، و”زيادة كبيرة في رواتب القوات النظامية”، وخلو الموازنة من أي أعباء ضريبية جديدة. ولكن عندما نضع الأرقام والبشريات المذكورة كواجب يومي ونفكك هذه الأرقام ستضيق رئة الموازنة ويصعب عليها التنفس، وكأنها تحتاج المعجزة التي قالها رئيس الوزراء لتتنفس.
فعندما يذكر التقرير الحكومي نسبة 9% كنمو في الناتج المحلي فإن هذا يقودنا لمجموعة أسئلة تتعلق بأركان بناء النمو في الناتج المحلي، والإجابة عليها هي التي من الممكن أن توافق أرقام موازنة “المعجزة” أو تخالفها تمامًا.
معركة الاقتصاد، وعلى نعومتها، إلا أنها تفرض واقعًا مدمرًا للدولة بشكل يكاد يفوق فيه التأثير الآثار المرئية للحرب، لأنها بالأساس تضرب عجلة الإنتاج في الدولة، وهو الملمح الذي لا تخطئه العين بعد نشوب الحرب منذ أول أيامها. ومع انطلاق الطلقة الأولى توقفت عجلات الإنتاج بخروج غالبية المصانع عن دائرة الإنتاج، إما بسبب انقطاع التيار الكهربائي، أو بالتدمير المباشر، أو بفقدان القوى البشرية المشغلة لماكينة الإنتاج.
الانقطاع في “سلاسل الإمداد” بسبب الحرب وارتفاع التكاليف في هذه السلاسل يشكل عبئًا إضافيًا على عملية الإنتاج ويؤثر في انخفاضها أو خروج المنتجين عن الخدمة تمامًا بسبب المدن والمناطق الصناعية التي دمرتها الحرب.
“الأسواق” واستقرارها عامل مهم ومؤثر بشكل كبير على عملية نمو الناتج المحلي المشار إليه بنسب الزيادة في الموازنة المجازة، والحرب ضربت استقرار الأسواق وأفقدتها تأثيرها المطلوب بسبب عدم الاستقرار الأمني وتعرضها للسرقات والنهب والإغلاق، إضافة لصعوبة وصول المنتجات للأسواق في مناطق الإنتاج.
“هروب” رؤوس الأموال تبعًا للخارطة الأمنية التي تفرضها الحرب يحدث اختلالًا واسعًا في التروس الاقتصادية للدولة ويحدث تباطؤًا، إن لم يكن انعدامًا تامًا، لتدفق الاستثمارات، باعتبار أن الناحية الأمنية هي المطلوب رقم واحد في أي دراسة جدوى لمشروع استثماري، والحرب هي بمثابة إعلان يطرد المستثمرين الموجودين ويغلق الباب أمام أي فكرة استثمار جديدة في السوق.
نسبة 9% التي استخدمتها وزارة المالية في تقريرها عن حالة النمو في الناتج المحلي، قياسًا بما أوجزناه أعلاه، قد لا تبدو حقيقية إلا في حال تمت قراءة ذلك بالانكماش الحاد في النمو بسبب الحرب في أعوام ماضية، وبالتالي يصبح التوصيف الدقيق للنسبة المذكورة هو “التعافي الجزئي” للنمو في الناتج المحلي وليس توصيف “المعجزة”.
قبل الحرب، وفي أوقات السلم، كانت الأرقام التي يترقبها المواطن العادي وبدأ يفهم بعضًا من تأثيراتها على معاملات السوق اليومية التي تعنيه هي أرقام “التضخم” في الاقتصاد السوداني، إذ ظلت العملة السودانية ولسنوات طويلة تعاني من انكماش حاد في صحتها في مقابل النقد الأجنبي، بحيث تجاوزت أرقام التضخم عتبة الخانتين إلى ثلاثة خانات كما هو مذكور في موازنة 2025م بنسبة 101.9%. وبالتالي فإن نسبة 65% التي حققها التضخم هذا العام تعتبر بشكل عام مظهرًا من مظاهر التعافي العام في الاقتصاد، ولكنه يتطلب المزيد من الإجراءات الإسعافية في الاقتصاد السوداني تدفع باتجاه استقرار سعر الصرف والتحكم في السوق الموازي الذي ظل يشكل صداعًا مزمنًا للاقتصاد.
قامت الحكومة بحزمة إجراءات وسياسات تهدف بها إلى زيادة تحكمها وسيطرتها على الكتلة النقدية ومحاولة تفادي آثار سلبية ناتجة عن تركيز جزء كبير من الكتلة النقدية في مناطق خارج سيطرتها، بالإضافة لعمليات التزوير الواسعة فيها وعدم القدرة على تطبيق قواعد الرقابة الحكومية على المعاملات المالية، إضافة للتراخي في تنفيذ قرارات تبديل العملة بعد إعادة طباعتها في بعض المناطق التي دخلت تحت سيطرة الحكومة.
الجرعة الحقيقية التي يتطلبها الاقتصاد للتعافي من داء التضخم العضال هي الإنتاج وزيادته، وهذا ما يُلاحظ ضعفه بشكل واضح وكبير بسبب الحرب، وفي مقدمة ذلك تقلص المساحات المزروعة بسبب الأضرار المباشرة في أنظمة الري أو تهجير المزارعين وأصحاب الأراضي، وضعف التمويل للموسم الزراعي وعدم توفر وقود الزراعة وارتفاع أسعاره وعدم توفر أسواق للمحاصيل وارتفاع تكلفة التخزين.
اللغة التي تحدثت بها الموازنة، إلى حد أن يصفها رئيس الوزراء بالمعجزة، وعدت بعدم فرض ضرائب جديدة كواحدة من أوجه الإيرادات الأساسية لموازنة الدولة، مع الإشارة للتوسع الأفقي للمظلة الضريبية، والإجراء الأخير هذا ظل وعلى الدوام يشكل النقص في الإيراد الحكومي بسبب أن غالب الأنشطة الاقتصادية في السودان تقع في خارطة الاقتصاد غير الرسمي، وبالضرورة هي خارج سيطرة الدولة بسبب ضعف الإدارة والإرادة الضريبية.
الحرب أوجدت نشاطًا اقتصاديًا متأثرًا بعمليات التهريب للسلع الأساسية والمواد الغذائية، وهذا يضعنا أمام سؤال حول مدى استطاعة الدولة أن توسع مظلتها الضريبية في ظل اقتصاد الحرب؟
(*) موازنة الحرب..
موجه رئيسي اعتمدته وزارة المالية في موازنتها، وهو توجيه موارد الموازنة لمقابلة متطلبات الحرب وارتفاع الإنفاق العسكري لاستمرار الحرب، وهذا بالضرورة وبمنطق الاقتصاد يحدث آثارًا تؤدي إلى تقليص الإنفاق التنموي.
وهنا نتحدث عن تكلفة مشروع إعادة الإعمار، والتي تتطلب تمويلًا ضخمًا ودعمًا دوليًا لتشغيل مؤسسات الدولة ومشروعاتها القومية واستعادة القطع الكبيرة في ماكينة الاقتصاد السوداني التي عطلتها الحرب. والمعجزة هنا أن يتحقق هذا في ظل العزلة المالية التي تفرضها الحرب بسبب إحجام مؤسسات التمويل الدولية عن التخطيط وتنفيذ مشروعات الدعم والتمويل المالي، وفوق ذلك تراكم الدين المالي على أكتاف أي موازنة وتخطيط مالي للدولة.
(*) اقتصاد بين مطرقة الداخل وسندان الخارج..
والبيان الذي خرجت به الأسبوع المنصرم وزارة الطاقة لتبعث برسالة اطمئنان في بريد الأسئلة المطروحة حول مدى تأثيرات الحرب التي اشتعلت بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ودخول الإجراءات الاقتصادية كجزء أصيل من السلاح المستخدم في هذه الحرب بإغلاق الممرات المائية وتأثر حركة الطيران والنقل وارتفاع قيمة برميل البترول والغاز، ولد أسئلة أكثر حول حقيقة قدرة الاقتصاد السوداني على امتصاص أي هزات ارتدادية من المؤكد وصولها لتكتون الاقتصاد السوداني الهش بالأساس بسبب زلزال الحرب الداخلية.
جزء كبير من الفاتورة التي تدفعها خزانة الدولة مرتبط باستيراد الوقود، وهي الأكثر إرهاقًا للاقتصاد السوداني، ومؤشرات الحرب وارتباطها الوثيق بالمنتجين والدول المؤثرة في “أوبك” تقول بارتفاع قيمة هذه الفاتورة، خصوصًا حال تواصلت الحرب وامتدت أيامها. وتوفر مخزون في البلاد يكفي فقط حتى نهاية أبريل بحسب توضيح بيان الوزارة يؤكد المخاوف ولا يبددها.
(*) أهداف طموحة وواقع معقد..
مجموعة الأهداف التي جاءت على ذكرها الموازنة “المعجزة” بحسب تصريح رئيس الوزراء، والتي تشمل زيادة في المرتبات والأجور والمعاشات وعدم توسعها رأسيًا في الضرائب، وتستهدف زيادة مستوى النمو في الناتج المحلي ومصارعة غول التضخم بالأرقام التي حواها الاستعراض الرقمي لموازنة العام 2026م، تصطدم بواقع تصنعه الحرب، هو الاقتصاد المضطرب والاقتصاد الموازي وغير الرسمي، وضعف الإنتاج وهروب رؤوس الأموال وعدم وجود استراتيجيات اقتصادية تعالج الدين الخارجي والمشكلات المزمنة في الاقتصاد السوداني، والمتعلقة بالهدر الذي يتسبب فيه الفساد المتغلغل في أوردة الاقتصاد وعدم تنفيذ سياسات الشمول المالي ورقمنة الإيرادات الحكومية. سيصبح من الصعب الحديث عن المعجزات في اقتصاد ترضعه الحرب من ثدييها.



