نوستالجيا العودة: ومضات الأمل والوعي

بقلم: المهندس محمد عبد اللطيف هارون
*أنا وحُبك ترعرعنا ونشأنا ندايد*
*من زمناً قِبيل أيّام قُلال وعدايد*
*ما خلِص القديم وتبين مصايب وجدايد*
*حِنْ يا حبيب كفاي مُر العذاب وشدايد*
يقولون إن العودة هي الطريق الأقصر إلى الذات، لكننا أدركنا أن الطريق بيننا وبين ما نحب لم يكن يوماً مجرد كيلومترات تُقطع، بل هو سيرة طويلة من الوجع، وفصول من حكايا لم تُروَ عن الشجى والشجن الأليم. ثمة هاتف داخلي يستنهض جوانحنا المغمورة في حنين ممض، يحرضنا ألا نرصد الأحداث كعابري سبيل، بل يحتم علينا استنطاق الصمت الذي يغلف تفاصيلنا السودانية، الحزينة والجميلة في آن واحد.
لقد استبدَّ بنا الشَّجَن ونحن نرقبُ من بعيدٍ جدران بيوتنا وهي تئنُّ تحت وطأة الغياب، ذلك الحزن المتشابك كأغصانٍ بريةٍ نبتت في غفلةٍ من الزمان لتخنق ملامح استقرارنا. ومن وراء كل حكاية نزوح، ثمّة غصّةٌ خانقة تجعل الكلمات عاجزة عن وصف ضياع المقتنيات وتلاشي الأمكنة. لكننا اليوم، ومن وسط هذا الشَّجْو، نوقن أن الحرب التي دهمتنا منذ ثلاث سنوات لم تسرق منا الجدران فحسب، بل زرعت في مسامات أرواحنا هواجس ثقيلة؛ فكما سقط الآلاف برصاص الغدر، فقدنا أرواحاً عزيزة في المنافي.. أرواحاً لم تحتمل ثقل الفجيعة فسقطت كمداً.
يا أحبة..
إن الأوطان ليست مجرد عقارات من أسمنت أو قطع أثاث نفاخر بها. الوطن هو تلك الهوية التي لا تحترق، والانتماء الذي لا يشيخ. بيوتنا الحقيقية هي تلك التي نبنيها في الذاكرة، ونسكنها في القصائد، ونحميها بالوعي. الممتلكات قد تذهب وتجيء، لكن “السودانية” التي فينا هي جوهرٌ لا تطاله نيران المعارك. لذا، علينا أن ننفض غبار اليأس، وندرك أن العودة تبدأ أولاً بترميم “الإنسان” من الداخل، وبالتمسك بتلك الخيوط الخفية التي تربطنا بترابنا؛ من ذكريات الجدات وضحكات الجيران، إلى فكرة “الوطن الحلم” الذي لا يموت بموت الحجر.
يتحتم علينا اليوم أن نعبر من “نفاج” الأمل إلى ثنايا الأرواح، لنبحث عن الإنسان الضائع بين ضجيج الشعارات. نستحضر رائحة الأرض بعد المطر، وضجيج الأسواق في مدننا الصابرة، ونمزجها برؤى فكرية تبحث عن مخرج لنفقنا المظلم. إن نبذ الفرقة واستدعاء المشترك ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة وجودية، ويقين بأن هويتنا هي الفانوس الذي سيضيء عتمة الطريق.
نستدعي اليوم عزتنا وكرامتنا، ونستلهم من تراثنا وفلكلورنا ومعاني أغنياتنا التي توحدت جميعاً لتصبح “أغنيات في حب الوطن”. رسالتي لحملة الأقلام: فلنكتب بمداد من حنين لكل قصة منسية على رصيف الانتظار، ولنرمم بفكرنا ما انكسر في دواخلنا، لعلنا نجد بين السطور ما يجمع شتات الرؤى.
لقد غادرنا البيوت كـ “قشور”، وبقي فينا الوطن كـ “لباب”. العودة الحقيقية تبدأ حين ندرك أننا لم نفقد ذواتنا، وأن الروح السودانية هي الدار الكبرى التي تسعنا أينما حللنا، لنعود إليها قريباً مشحونين بنوستالجيا الإياب، عودةً تليق بصبرنا وبعظمة هذا الوطن



