الأبعاد الخفية لقرار الخارجية الأمريكية : بقلم: محمد ضياء الدين

قراءة قرار وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف “جماعة الإخوان” في السودان جماعة إرهابية، فسره البعض كأنه قرار أخلاقي مُهدي لعيون الشعب السوداني. الواقع تظل هذه القراءة مجرد قراءة محض رغائبية تفتقر إلى العمق السياسي. صحيح أن حيثيات القرار واقعية الي حد كبير وتستند إلى تاريخ طويل من العنف والانتهاكات، إلا أن علاقة واشنطن بالجماعة تاريخياً لم تكن يوماً تخضع لأى معايير أخلاقية رغم أن جماعة الإخوان نفسها صنيعة الغرب الإمبريالي، إلا أن العلاقة بينهما ظلت محكومة ببراغماتية المصالح. ومن هنا فإن إستحضار جرائم الإخوان لا ينفي البعد الوظيفي للقرار بقدر ما يحاول منحه غطاء إنساني مهترئ تختبئ خلفه حسابات سياسة الإمبراطورية الأمريكية الأكثر دمويةً وإرهاباً عبر التأريخ والتي تدعم أقذر الأنظمة في المنطقة .
إن هذا القرار هو أحد الأدوات الإجرائية الأمريكية لإدارة المشهد السوداني المعقد، فواشنطن تدرك أن نفوذ الجماعات الإسلاموية يكمن في “شبكاتها الاقتصادية العميقة”. لذا فإن التصنيف بالارهاب لا يستهدف حركة الإسلام السياسي الفكرية بل ولا إرهاب الجماعة الإخونجية بقدر ما يستهدف الموارد المالية التي تمنح هذه الجماعات قدرة على المناورة خارج نطاق موجهات الهيمنة الأمريكية في المنطقة . ومن المفارقة أن واشنطن التي تقاضت لعقود عن دعم الإخوان للارهاب حين كان ذلك يخدم مصالحها، تكتشف اليوم أن إرهاب الجماعة يستوجب التصنيف.
وفي الحالة السودانية يضع القرار شبكات رأس المال الطفيلي الإسلاموي في الخارج تحت مجهر الرقابة الدولية كأهداف مشروعة، مما يضيق الخناق على قدرة الجماعة على تمويل النشاط السياسي والعسكري، رغم خبرة هذه الجماعات في الالتفاف على العقوبات عبر شركات الظِل.
كما يحمل القرار رسالة إقليمية أوسع ضمن محاولات إعادة ترتيب أدوات النفوذ الأمريكي الصهيوني في المنطقة، فهو يضغط على الحركات المرتبطة بالإخوان لإعادة تعريف دورها أو التكيف مع موازين القوى الدولية السائدة، وإلا فإن سلاح العقوبات المالية سيظل جاهزاً للاستخدام كأداة ضغط إمبريالية في مواجهة مناهضي السياسات الأمريكية.
خلاصة القول إن قرار الخارجية الأمريكية ليس مجرد إجراء عقابي ضد جماعة مارست العنف والإرهاب، بل هو ترس في ماكينة النظام الإمبريالي المتوحش لإعادة تشكيل موازين النفوذ. ومع ذلك تثبت التجارب أن العقوبات الخارجية مهما بلغت شدتها لن تكون وحدها حاسمة، فالمخرج الحقيقي للأزمة الوطنية الشاملة التي تعيشها بلادنا يكمن في بلورة إرادة وطنية سودانية مستقلة على أساس موقف وطني صحيح قادر على إنهاء الحرب وتفكيك نفوذ الجماعة ومحاسبة مجرميها، بعيداً عن الحسابات الدولية الضيقة، وصولاً إلى إستعادة المسار المدني الديمقراطي كواقع لابتدار صفحة جديدة في تاريخ السودان.



