ملح الأرض/ تقييم الأداء الحكومي .. هل هنالك أمل؟

بقلم: خالد ماسا
ولعل التبرير الذي صاحب تشكيل الحكومة بشكلها الحالي، والتي تم على “دفعات” أو – بتعبير أدق وأكثر تحديدًا – تم ذلك منذ منتصف العام الماضي عن طريق “الأقساط” المريحة، كان التبرير الذي جاء على لسان السيد كامل إدريس رئيس الوزراء فيها هو “التمحيص” ودراسة الخبرات الوطنية، حتى اكتمل التشكيل الوزاري بكل حقائبه في فترات مختلفة. ويمكن الاعتماد بشكل مبدئي على معايير الاختيار نفسها لتكون أحد أدوات التقييم لأداء الوزراء في حكومة أُطلق عليها اسم “الأمل”.
في أكثر من مناسبة جاء السيد رئيس الوزراء على ذكر تقييم أداء الوزارات وإمكانية مراجعة السياسات الحكومية بناءً على هذه المراجعات، وإن كان من الضروري الوضع في الاعتبار السياق الذي شهد التفكير في بناء هذه الحكومة، وهو عامل مهم عند الشروع في أعمال أدوات التقييم والسؤال عن: هل هي حكومة حرب أم حكومة انتقال سياسي؟ وهاتان وضعيتان مختلفتان تمامًا حال التفكير في تحضير أدوات التقييم.
(*) سياق الحرب ..
لم تكن يد التشكيل الوزاري مطلقة عن آخرها عند كتابة قوائم التشكيل الوزاري، ولن نحتاج للتذكير كثيرًا بحالة “الولادة المتعثرة” التي مرت حتى تم الوصول لنقطة إكمال التشكيل بسبب صعوبة تنفيذ معايير “الكفاءة” في الاختيار، والدولة تعاني تهديد وجودها بالحرب، و**”المزاج”** العام ليس مع التفكير في “مدنية” الدولة. وإن لم يتزيَّ وزراء حكومة الأمل بالزي العسكري، فإن ظلال الشراكات العسكرية كانت حاضرة وتحجز مقاعدها بوضع اليد لا بمعيار الكفاءة، وبتقديم التقديرات الأمنية على الخبرات.
غالبية الملفات المعلن عنها في برنامج الأمل هي بالضرورة لا تتناسب وسياق الحرب، وهي تتطلب قدرًا من الاستقرار المؤسسي واكتمال بناء مؤسسات الدولة، وقبل ذلك موارد مالية مستقرة وإرادة حكومية قادرة على التقييم. ويبدو أن هذا لم يكن متاحًا على الأقل فيما مضى من عمر الحكومة لأسباب مختلفة، جزء منها غياب مؤسسات الرقابة على الأداء الحكومي “برلمان / مجلس تشريعي”، وبالتالي فإن التقييم للأداء في غالبه قد يكون انطباعيًا أو فرديًا بناءً على تقديرات المستشارين، مع وجود “محميات” وزارية ممنوع الاقتراب منها والتصوير بحكم “فيتو” الأوزان العسكرية.
أولوية الصرف الحكومي على ملفات الأمل يمكن قراءتها من خلال الزي العسكري الذي ظل يرتديه السيد جبريل إبراهيم وزير المالية، على الرغم من احتشاد خطاب إجازة موازنته بلغة تنتمي إلى فصيل “الأمل” مثل خفض التضخم وزيادة الرواتب وتخفيف أعباء المعيشة. وهذا ما تجعله الحرب ضربًا من الخيال أن تدير حكومة “مدنية” موازنة حرب.
واقع الحرب يفرض فجوة كبيرة جدًا بين السياسات الحكومية المعلن عنها وبين الأداء التنفيذي لها، فالطموح العالي الظاهر في لغة الخطاب الحكومي يصطدم بواقع تصنعه يوميات الحرب، لتصبح مشكلة التقييم متعلقة ببنية الدولة نفسها أكثر من المشكلة في الوزراء وتقييم كفاءتهم.
إشكالية بنية السلطة في السودان، والتي فرضتها ظروف الحرب، تتمثل في أن الأداء الحكومي الآن لا يُدار وفق نموذج حكومي تقليدي، بل يُدار بما يشبه النظام المزدوج الذي يجمع بين مستويين: أحدهما سيادي متعلق بالقرارات ذات الطبيعة الأمنية والعسكرية، ومستوى تنفيذي متعلق بالسياسات المالية والخدمات. وهنا تظهر إحدى أهم المؤثرات على الأداء الحكومي فيما يُعرف بتداخل القرار السياسي مع القرار التنفيذي، وفي العادة فإن هذا التداخل قد فرض خروج العديد من الملفات – من المفترض أن تديرها الحكومة – لتتحول إلى قرارات سيادية، لينتفي منطق تقييم الأداء الحكومي في هذه الملفات وقياس كفاءة الوزراء فيها.
النتيجة المباشرة للتقاطعات بين العمل السيادي والتنفيذي هي أن غالبية القرارات الحساسة يتم اتخاذها خارج الإطار الحكومي، سيما تلك المتعلقة بملفات الأمن والحرب والعلاقات الخارجية، وبالتالي يظهر ذلك في تضييق هامش حركة تنفيذيي الحكومة ووزرائها، ويعكس ذلك بطئًا واضحًا في اتخاذ القرار التنفيذي كما هو الحال في كثير من قرارات حكومة الأمل.
الحال الذي يجد فيه الوزير المكلف نفسه عند اتخاذ القرارات أنه أمام مرجعيتين مختلفتين: سياسات حكومية تم تبنيها وقرارات سيادية لا يمكن تجاوزها، وهذا بطبيعة الحال يجعل الحكومة حكومة إدارة أزمات يومية أكثر من أنها إدارة سياسات عامة.
على الرغم من حالة التعبئة والتحشيد المحيطة بأداء الحكومة، إلا أنها لا تزال لم تستطع استقطاب حالة الدعم الشعبي الكبير لأداء وزرائها وبناء قاعدة للثقة في سياساتها وإنهاء حالة الانقسام الشعبي تجاه السلوك الحكومي وتقييمه.
(*) نجاح نسبي ..
في ظل الوضعية التي تناولناها آنفًا يمكننا أيضًا قياس استمرار عمل الحد الأدنى لمؤسسات الدولة على الرغم من استمرار الحرب، والحفاظ على الشكل الحكومي من الانهيار الكامل في الأداء المالي للدولة وبعض الخدمات الأساسية، ومحاولات للإبقاء على سلامة الموسم الزراعي، والاجتهاد قدر المستطاع للإبقاء على قنوات العلاقات الخارجية مفتوحة على الرغم من “الاختناق” الدبلوماسي الذي تصنعه الحرب.
ومن العدل أن نرد بعض القصور في عدد من الملفات إلى أنها حدود نجاح فرضتها بنية السلطة في زمن الحرب أكثر من علاقتها بكفاءة الأداء الوزاري.
في ظل ظرف الحرب تميل السلطة السياسية إلى الإبقاء على سلطة القرار في مستوياته العليا، ويُعاد ترتيب جدول الأولويات بحيث يصبح هم الحكومة هو توفير الموارد الضرورية للحرب خصمًا على الإصلاحات الهيكلية في السياسات العامة، وبالتالي لا يمكن أن نرد أي تعثر في الأداء الحكومي إلى الإخفاق الإداري.
ارتخاء يد السلطة التنفيذية وعدم قدرتها على مراقبة تنفيذ موجهاتها يجعل البيئة الحكومية بيئة صالحة للفساد، وهو ما لم تجتهد فيه على الإطلاق السلطة التنفيذية لتغل يده عن المال العام وأن تفرض سيف المحاسبة في وجه أي تطاول على المال والحق العام.
(*) حلول باتجاه تحسين الأداء ..
للحديث عن أمل في الحكومة الحالية لا بد من التفكير الجاد في إعادة ترسيم حدود العلاقة بين سلطة القرار السيادي وسلطة القرار التنفيذي، وإفساح المجال للسلطة التنفيذية لطرح وتنفيذ السياسات الاقتصادية وبرنامج الخدمات، أو على الأقل خلق جسم تنسيقي بين المستوى السيادي والتنفيذي حتى لا يتحول جهاز الدولة إلى جهاز محدود الصلاحيات.
في كثير من الملفات يمكن ملاحظة أن الأداء الحكومي محكوم بمراكز متعددة لإدارة الأزمة، وبالتالي فإن تجميع هذا التعدد في مركز إدارة أزمة واحد أدعى لكفاءة أفضل للجهاز الحكومي في مواجهة أزمات تصنعها الحرب، لأن توحيد مركز القرار يزيد من فعالية وسرعة الاستجابة في القرار الحكومي.
حالة “الانكماش الاقتصادي” التي رصدتها تقارير البنك الدولي عن السودان، والتراجع الحاد في الإنتاج والخدمات، يتطلب من الحكومة بذل مجهود يمكن رؤيته والإحساس به في الإصلاح الاقتصادي، وكبح جماح الفساد، وتفعيل أجهزة الرقابة المالية والإدارية، وضبط السوق وتفعيل آليات مراقبته، وضبط سياسات التعامل مع السلع الضرورية، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتوسيع مظلة الشمول المالي، وتفعيل التحول الرقمي للخدمات الحكومية، لأن ذلك هو المخرج للاختناق الاقتصادي الذي تصنعه الحرب.



