إرهاصات ما قبل الطامة (٦-٧): دهاليزُ “الجنينة” وظلالُ “موسكو”

بقلم: م. محمد عبد اللطيف هارون

​لا يزال “الفلاش باك” يشدنا إلى الوراء، فكل تفصيلة صغيرة في تاريخنا المعاصر هي خيطٌ يؤدي إلى حريق الخامس عشر من أبريل. فوق “برش الفطور”، وتحت سحب دخان قهوة “بروف الساعوري”، كنا نمارس “العصف الذهني” في أرقى صوره؛ حيث يلتقي الخبير السياسي بالاقتصادي البارع، والمهندس بـ”غمار الناس” البسطاء الذين يشكلون نبض السودان الحقيقي.
​كنا نتساءل بوجع وجودي: كيف لـ (١٪) من النخب أن يتحكموا في مصير أمةٍ بأكملها؟ وكيف انحدرت بنا السبل منذ ما قبل الاستقلال وحتى هذه اللحظة؟ لستُ خبيراً استراتيجياً، لكنني قارئٌ نهمٌ للتاريخ، وهذا ما جعلني أتوقف طويلاً عند محطتين مريبتين في مسيرة “حميدتي” قبل الحرب.
* ​المحطة الاولى في فبراير ٢٠٢٢، طار حميدتي إلى موسكو في زيارةٍ استغرقت أسبوعاً، وهي مدةٌ تثير الريبة لمسؤولٍ في منصبه، خاصةً وصحبته ضمت وزراء المالية والطاقة والمعادن. لماذا ارتجف الغرب من هذه الرحلة؟ ​كانت الرائحة تفوح من مناجم “جبل عامر”؛ حيث يذهب الذهب السوداني إلى الخزائن الروسية في عقودٍ آجلة مريبة. هل كانت الزيارة لسداد مستحقات الذهب، أم لترتيب تعاون أمني يعيد إحياء حلم “القاعدة الروسية” على البحر الأحمر؟ وحين قال حميدتي: “من حق السودان فعل ما يخدم مصلحته”، كان يفتح الباب لـ “فاغنر” لتمتد أذرعها عبر “حزام عرب الصحراء”. والمفارقة المذهلة، أنَّ المدافع الروسية بدأت تدك أوكرانيا في اليوم التالي لمغادرته موسكو.. وكأنَّ “طبول الحرب” تُقرع في مكانين وزمانين بتنسيقٍ واحد.

* ​المحطة الثانية التي استوقفتنا في “برلمان البرش”، هي اعتكاف حميدتي في “الجنينة” لشهورٍ ثلاثة (يونيو إلى أغسطس ٢٠٢٢). ما الذي يبقي نائب رئيس الدولة في أقصى الحدود التشادية كل هذه المدة؟ ​رسمياً، قيل إنها “مصالحات قبلية”، لكنَّ الواقع كان ينزفُ دماً. حذر رئيس شورى قبيلة “القمر” من أنَّ حميدتي ليس وسيطاً محايداً، بل إنَّ قواته كانت شريكةً في القتل والتهجير. أما الخبراء القانونيون، فقد رأوا في تلك الزيارة “حملة انتخابية مبكرة”؛ محاولة لصناعة “شرعية زيف” كقائدٍ يجلب الاستقرار، بينما كانت قواته تؤجج الصراعات بالدعم اللوجستي والسلاح. ​خلف عباءة الصلح، كان هناك “السيناريو ب”: تجهيز المنطقة لـ “دولة العطاوة الكبرى” إذا فشلت الخطة (أ) في السيطرة على الخرطوم. كانت المصالحات مجرد “حلول فوقية” لشراء الذمم وتغطية الجرائم بـ “الديات”، دون ملامسة جذور المشكلة التي كانت – وما زالت – تكمن في وجود هذه المليشيات نفسها.

​من العجائب التي كنا نلوك مرارتها مع القهوة، هي تلك “الفرية” التي صدقها البعض؛ بأنَّ من أحرق القرى في دارفور، ومن استباح دماء “المساليت” و”القمر”، قد نهض فجأة ليقيم “الدولة المدنية الديمقراطية” ويحارب “الفلول”!
​لقد خبرت القبائل الزراعية في دارفور عهد “آل دقلو” طويلاً، وتعلم يقيناً أنَّ العهود عندهم مجرد حبرٍ يُمحى بقطرة دم. لم يكن حميدتي يبحث عن ديمقراطية، بل كان يبحث عن “مملكة” بحد السيف، وما الخرطوم إلا “الجائزة الكبرى” التي خطط لانتزاعها منذ أن وطأت قدماه دهاليز موسكو وخيام الجنينة.

نواصل..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى