منى ابوزيد تكتب : في التعليم النوعي..!

هناك فرق..
“التعليم الذي لا يجد له مكاناً في سوق العمل، يشبه القصيدة الجميلة في زمن المجاعة” .. الكاتبة..!
حين قررت الدولة إعفاء طلاب دبلوم التدريب المهني من رسوم الامتحانات، لم تكن تخفف بذلك عبئاً مالياً فحسب، بل كانت – ربما دون أن تقول – تعيد تعريف معنى العدالة الأكاديمية والمهنية في سودان ما بعد الحرب. وهذا النوع من العدالة في بلاد خرجت لتوّها من تحت الركام، لا يعني أن يحصل الجميع على الفرص نفسها، بل أن يحصل كلٌّ على الفرصة التي تُشبه حاجة البلاد إليه..!
هذا القرار في ظاهره بسيط “خمسون ألف جنيه أُزيحت عن كاهل أسرة سودانية منهكة، لكنه في باطنه إعلان انحياز، ليس فقط إلى الشباب، بل إلى فكرة مختلفة عن المستقبل. فالحروب لا تُدمّر المدن وحدها، بل تُخلخل أيضاً سلم الاحتياجات الذي نرتّب عليه أحلامنا. وتجعلنا نسأل بوضوح” الذي نحتاجه فعلاً، الطبيب أم الكهربائي، المهندس أم الفني، أم أننا – في لحظة صدق نادرة – نحتاجهم جميعاً، ولكن بنِسَب مختلفة، وباحترامٍ متساوٍ..!
لقد طال الزمن ونحن نُقنع أبناءنا بأن الطريق الوحيد للنجاة يمر عبر بوابة البكالوريوس، حتى تحول الحلم إلى طابور، والطابور إلى خيبة جماعية. كأننا كنّا نُعدّ جيلاً كاملاً لوظائف لم تعد موجودة، ونُهمل – في المقابل – وظائف لم تجد من يتقنها. وها نحن الآن، بعد الحرب، نقف أمام الحقيقة عارية “لا يُعاد بناء وطن بالشهادات المعلّقة على الجدران، بل بالأيدي التي تعرف كيف تُمسك المطرقة، وتقرأ المخطط، وتُعيد الحياة إلى ما ذبل أو انكسر”..!
دعم دبلومات التدريب المهني ليس ترفاً تعليمياً، بل ضرورة وجودية. هو استثمار في الزمن القادم، لا في الماضي الذي انتهى. لأن الدول التي تنهض لا تفعل ذلك عبر تضخيم عدد الخريجين، بل عبر دقة توزيعهم على احتياجاتها الفعلية. وفي التجارب التي نحب أن نستشهد بها – من ماليزيا إلى اليابان – لم يكن التعليم الفني خياراً ثانوياً، بل كان في قلب المشروع الوطني..!
أن نعفي طالباً من رسوم امتحان فهذا يعني أن نقول له “نراك”، أن نمنحه رقم جلوس بلا مقابل، يعني أن نمنحه اعترافاً متأخراً بأن مكانه في هذه البلاد ليس أقل من غيره. لكن الأهم من ذلك أن نُكمل هذه الخطوة بما هو أصعب “إعادة صياغة وعي مجتمع كامل، تعلم طويلاً أن يُصفّق للقب، ويتجاهل المهارة”. .المعركة الحقيقية ليست في قاعات الامتحان، بل في عقولنا نحن.
أن نقبل بأن النجار ليس مشروع فشلٍ جامعي، بل مشروع بناء، أن نفهم أن الفني ليس بديلاً اضطرارياً، بل خياراً أصيلاً. أن نُدرك أن التنمية لا تُقاس بعدد الأطباء فقط، بل بعدد الذين يُبنون المستشفيات أيضاً.
في لحظة ما، يجب أن نتوقف عن الحنين إلى نموذج قديم، ونسأل بموضوعية “ماذا يحتاج هذا البلد الآن، لا ماذا كنا نحلم له بالأمس..!
الإعمار ليس مجرد إعادة ما كان، بل اختراع ما يجب أن يكون، لهذا، فإن قراراً صغيراً – كإلغاء رسوم – قد يكون في حقيقته أول حجر في طريق طويل يبدأ من كرامة طالب التعليم الفني والتدريب المهني، ويمتد حتى كرامة الوطن!.
munaabuzaid2@gmail.com



