الاستثمار الوطني..بين “مقصلة” الجبايات الحكومية و”متاهة” الفساد الإداري
نزوح المليارات: لماذا يهرب المستثمر السوداني إلى "حضن" دول الجوار؟

هيثم محمد فتحي: الاستثمار في ظل الجبايات انتحار اقتصادي
بينما تشرع دول الجوار الإقليمي أبوابها بما يمكن تسميته “فقه التسهيلات والحوافز الذكية”، يجد المستثمر السوداني نفسه محاصراً في الداخل بين فكي كماشة لا ترحم؛ فساد إداري متجذر في مفاصل البيروقراطية، وجبايات حكومية متغوّلة تتجاوز المنطق الاقتصادي والقدرة الإنتاجية. هذه الثنائية لم تعد مجرد عائق اقتصادي عابر، بل تحولت إلى جدار عازل يدفع برؤوس الأموال الوطنية قسراً للبحث عن ملاذات آمنة في رواندا، إثيوبيا، تنزانيا، ومصر، مخلفة وراءها سوقاً محلياً ينزف، وصناعة تعاني من “صناعة الندرة” وتآكل القيمة المضافة.
تقرير – عماد النظيف
انفصام حاد بين النصوص والواقع
يجمع خبراء اقتصاد ورجال أعمال على أن المناخ الاستثماري في السودان يعاني من حالة انفصام حاد؛ فبينما تتغنى النصوص القانونية واللوائح التشريعية بالتشجيع وجذب الرأس مال، يمارس الواقع لغة الجبايات القاسية. وتتجلى هذه الأزمة في محورين أساسيين؛ أولهما الجبايات الجزافية، حيث تحول دور الدولة من المحفز إلى الجابي، عبر فرض ضرائب ورسوم لا تستند إلى حجم الإنتاج الفعلي، بل إلى تقديرات مكتبية ترهق المنتج قبل أن يبدأ دورة رأسماله، مما يؤدي لوأد المشاريع في مهدها. أما المحور الثاني فيتمثل في البيروقراطية والفساد، إذ خلق تداخل الاختصاصات بين المركز والولايات بيئة خصبة للفساد الإداري، حيث تضيع طلبات الاستثمار في دهاليز المكاتب ما لم تُدفع “ضريبة الظل” لتسهيل الإجراءات.
دول الجوار
في الوقت الذي يصطدم فيه المستثمر المحلي بالتعقيدات، قدمت دول الجوار نماذج جعلت منها وجهة مفضلة لا تقاوم. فقد اعتمدت رواندا وتنزانيا نظام النافذة الموحدة الحقيقي، حيث يمكن للمستثمر تأسيس شركته والحصول على الأرض والكهرباء في أقل من 24 ساعة، مع إعفاءات ضريبية تمتد لسنوات تشجع على الاستقرار والنمو. وفي ذات السياق، استقطبت مصر وإثيوبيا آلاف المصانع السودانية، خاصة في قطاعات البلاستيك والمنسوجات والزيوت، عبر توفير مدن صناعية جاهزة بأسعار طاقة مدعومة، مما جعل المستثمر السوداني منتجاً هناك ومستهلكاً لسلعه كمستورد في بلده الأم.
قانون الاستثمار.. مكبل الطفرة
يشخص قانونيون قانون الاستثمار الحالي كأحد أكبر العوائق، كونه قانوناً جامداً لا يراعي المتغيرات التي أحدثتها سنوات الحرب والتعطل. وتبرز عيوبه في غياب الضمانات الكافية لرأس المال ضد تقلبات سعر الصرف، والمركزية القاتلة التي تحصر القرارات الكبرى في يد جهات محدودة، مما يمنع التدفق السلس للاستثمارات نحو الأقاليم والولايات المختلفة، ويخلق حالة من الجمود المؤسسي الذي يطرد الطموح الاستثماري.
شهادات من الواقع
يروي أحد المستثمرين في قطاع الصناعات التحويلية تجربته المريرة قائلاً: “عدت من الخارج برأس مال لتصنيع الزيوت النباتية، واجهت 14 جهة حكومية تطالب برسوم مختلفة قبل وضع حجر الأساس. وعند طلب الربط الكهربائي، قيل لي إنني سأنتظر عاماً أو أدفع تكلفة المحولات والخطوط من مالي الخاص مع بقاء ملكيتها للدولة! اليوم، مصنعي يعمل في مصر والمنتج يدخل السودان مستورداً”.
وعلى صعيد ازدواجية الرسوم، يروي مستثمر آخر معاناته التي دفعته للرحيل: “اصطدمت بازدواجية الجبايات؛ الولاية تفرض رسوماً، والمحليات رسوماً أخرى، وعند التصدير تظهر رسوم اتحادية. هذه الثنائية جعلت تكلفة الإنتاج أعلى من السعر العالمي، فقررت نقل استثماري إلى تنزانيا حيث تمنح الأرض بحق الانتفاع الطويل والضرائب مرتبطة بصافي الربح فقط”.
تشريح الأزمة وخارطة الطريق
أكد الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي أن الاقتصاد السوداني لم يكن مرتبطاً بالاقتصاد العالمي منذ البداية، موضحاً أن السعي ليكون جزءاً من المنظومة الاقتصادية الدولية يتطلب وقتاً وإمكانات وخططاً مرحلية مدروسة. وأشار فتحي في تصريحه لـ “العودة” إلى أن تأثر الاقتصاد الوطني بالأزمات العالمية يبقى محدوداً جداً نظراً لضخامة الأزمة الداخلية، إلا أنه اعتبر التغييرات في الاقتصاد العالمي فرصة للنمو السريع عبر إنشاء سوق ناشئة حقيقية تجذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، داعياً إلى جعل السودان ملاذاً للمستثمرين الهاربين من الاقتصادات المتعثرة، كونه سوقاً يحتاج الاستثمار في كافة القطاعات ويستوعبها جميعاً.
وشدد فتحي على أن الاستثمار في هذه المرحلة يعتمد على حزمة عوامل سياسية اقتصادية واجتماعية، وفي مقدمتها تحقيق استقرار أمني فعلي، وإطلاق خطط إعادة إعمار، وتقديم ضمانات قانونية لحماية الملكية وتقليل الفساد، مع ضرورة تحسين البنية التحتية المتهالكة. وفي قراءته للواقع الراهن، أوضح أن مناخ الاستثمار يواجه تحديات جسيمة أفرزتها الحرب، أهمها تذبذب سعر الصرف، وتراجع قيمة العملة المحلية، وارتفاع التضخم، مما جعل البيئة الاقتصادية غير مشجعة في الوقت الراهن.
وطالب فتحي الحكومة الانتقالية بوضع خطط طموحة للإعمار وجذب الاستثمارات لترميم ما دمرته الحرب، لافتاً إلى أن السودان لا يزال أرضاً بكراً وواعدة، مع ضرورة إجراء إصلاح اقتصادي شفاف يمنح القطاع الخاص المحلي دور الشريك الحقيقي وليس التابع للاستثمار الأجنبي. كما أكد على تحديث القوانين لتراعي ظروف البلاد بعد ثلاث سنوات من الحرب، مقترحاً تعديل قانون الاستثمار وإنشاء نافذة موحدة للتراخيص، وضمان الشفافية في عقود الزراعة والتعدين ومكافحة الفساد الإداري.
ووصف فتحي الاستثمار في ظل الضرائب الباهظة والعملة المنهارة بأنه مخاطرة انتحارية، ما لم تتدخل الدولة بإعفاءات استثنائية وربط الجبايات بالإنتاج الفعلي بدلاً من التقديرات الجزافية، وتحويل دور الحكومة من الجابي إلى المحفز. واختتم تصريحه بالدعوة لتخصيص مدن صناعية تتوفر فيها الكهرباء والخدمات، وتوطين الصناعات التحويلية لزيادة القيمة المضافة للمواد الخام مثل الصمغ والقطن والحبوب الزيتية، مؤكداً أن توفير الكهرباء والتمويل والعدالة الضريبية للمستثمر العائد يمثل قضية أمن قومي لا تقبل التأجيل.
ثنائية السيطرة والفساد البنيوي
من جانبه، حذّر الخبير الاقتصادي كمال كرار من خطورة الواقع الراهن، واصفاً إياه بالمعادلة المعقدة التي تعرقل عودة رأس المال الوطني وتجهض فرص النهوض التنموي. وأشار كرار إلى أن السودان يعيش تحت وطأة ثنائية سيطرة تتألف من فساد بنيوي متجذر وجبايات حكومية متغوّلة، مما حوّل حلم إعادة الإعمار إلى رحلة هروب لرؤوس الأموال نحو بيئات أكثر استقراراً.
أكد كرار أن الفساد في السودان لم يعد مجرد سلوكيات معزولة، بل استحال إلى منظومة متكاملة تُثقل كاهل المستثمر، وحدد ملامح هذا الخلل في تعدد مراكز اتخاذ القرار وغياب الشفافية، وتضارب المصالح بين الأجهزة الحكومية المختلفة، وظهور شبكة من الوسطاء غير الرسميين الذين يرفعون تكلفة المشاريع، مبيناً أن غياب النظام القضائي الفعال يجعل حماية الحقوق مسألة غير مضمونة، مما يدفع المستثمرين لتجميد نشاطهم أو النزوح للخارج.
ووصف كرار تعدد الرسوم والضرائب بالوجه العلني القاسي للأزمة، مشيراً إلى نشوء ما يشبه الاقتصاد الموازي الذي يفتقر للتنسيق أو الرؤية الاقتصادية، موضحاً أن هذه الجبايات لا تعود بالنفع على البنية التحتية، بل تضعف التنافسية المحلية، مما يخلق مفارقة غريبة تتمثل في وجود دولة تطلب الاستثمار بسياسات تُنفر المستثمرين.
وفي مقارنة تحليلية، أشار كرار إلى أن دولاً مثل رواندا، إثيوبيا، تنزانيا، ومصر نجحت في جذب الاستثمار السوداني عبر تقديم ما يفتقده السودان حالياً وهو الوضوح والاستقرار، مستشهداً بنماذج ناجحة مثل رواندا التي رقمنت تأسيس الشركات في ساعات، وإثيوبيا التي قدمت تسهيلات كبرى في القطاعات الصناعية والزراعية. وانتقد واقع التشريعات المحلية، معتبراً أن قانون الاستثمار السوداني تحول إلى أداة لتعقيد الإجراءات بدلاً من تبسيطها، وفتح الباب للاجتهادات الإدارية الهدامة، مشيراً إلى أن صناعة الندرة ليست ناتجة عن نقص الموارد، بل بفعل القيود المصطنعة وغياب ضمانات تحويل الأرباح.
ختم كمال كرار حديثه بالتأكيد على أن السودان يمتلك الموارد والكفاءات، لكنه يفتقر إلى البيئة الحاضنة، وشدد على أن الإصلاح المطلوب يجب أن يكون جذرياً يبدأ بتفكيك منظومة الفساد وتوحيد القنوات المالية، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي يعني ضياع فرصة تاريخية لإعادة البناء لصالح دول الجوار التي باتت المراكز البديلة للنشاط الاقتصادي السوداني.



