هل أتاك حديث الجنود؟ ضرورة إخلاء الفضاء الرقمي من المظاهر العسكرية

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

وفي وقتٍ من الأوقات صدر القرار بإخلاء العاصمة القومية من “المظاهر العسكرية”، وكان هذا القرار استجابةً لمخاوف حقيقية عند المواطنين بأن الأوضاع الأمنية واستقرارها في العاصمة الخرطوم لا تزال “هشّة”، وازدياد المظاهر العسكرية كان نتاجًا لازدياد المهددات بالنسبة للمدنيين الذين بدأوا في العودة طمعًا في استقرار الأوضاع.

وفي بلدٍ مثل السودان تبدو المسافة في الغالب بعيدة جدًا بين إصدار القرارات وتنفيذها، ليبقى الحال على ما هو عليه إن لم يزد، خاصةً للمتابعين لرسائل وسائل التواصل الاجتماعي، والتي ظلت تفعل فعلها في رسم المشهد الأمني الهش في ظل غياب تأثير الإعلام الرسمي للدولة، إذاعةً كان أو تلفزيونًا.

(*) إخلاء الفضاء الرقمي من المظاهر العسكرية ..

في الأسبوع المنصرم كان الحدث الأكبر هو انسلاخ اللواء بمليشيا الدعم السريع / النور القبة وإعلان انضمامه للقوات المسلحة بصحبة مجموعة عسكرية رافقته من دارفور وحتى الولاية الشمالية، وبقدر ما أن متابعة حديث الجنود في صفوف الدعم السريع وردة الفعل التي حملتها الصفحات التفاعلية كانت تعكس وبشكل واضح تأثير هذا الخروج على الحالة النفسية لهم ولقواتهم، وأن ما حدث كان بمثابة “الزلزال”، نستطيع من تحليل محتوى هذه الرسائل تبيّن درجاته وهزاته الارتدادية.

بالمقابل كانت ردود الأفعال في الجانب المصطف إلى جانب الجيش “متباينة”، تباين قد يُقرأ منطقيًا؛ فالبعض يرى أن أي انشقاق في صفوف العدو يُحسب في خانة الانتصار بحسابات الحرب، وأن الاستماع لرسائل الجنود كان كافيًا للإحساس بقوة الضربة على خزائن معنوياتهم، والبعض الآخر ظل متأثرًا بتاريخ القوات التي دخلت مستسلمة في صفوف الجيش، ولم يعد بإمكانه نسيان ما حدث على يدها في الخرطوم والجزيرة والفاشر تحديدًا.

يحدث هذا لأن القوات المسلحة الآن لا تقاتل وحدها، ورسائل الجنود الذين لا تضبطهم عقيدة عسكرية وقيادة واحدة كشفت بأن النظر إلى موقف “النور القبة” لم يكن بذات العين المرحّبة، ومقطع مصور ومعزول تم تصويره من جنديين أفادا بانتمائهما للقوات العائدة من صفوف الدعم السريع يتجولان في أطراف مدينة أم درمان، كفيلٌ بالوصول بحالة الاستفزاز لأقصى مدى لها؛ فاللغة هي اللغة التي لا تزال تضرب طبلة أذن المواطنين على أيام استباحة العاصمة، أما الزي فهو الزي غير المرغوب في رؤيته من الذين ذاقوا بسببه الويل وعظائم الأمور.

المواطن بالضرورة ليس جزءًا من الترتيبات الأمنية والاستخبارية التي انتهت بنجاح عملية الانشقاق، وخالي الذهن تمامًا عن الترتيبات التي كان من شأنها طمأنته وإزالة أي هواجس تعيده لنقطة الصفر.

في زمن الحرب هذا فإن دلالات اتساع دائرة “الفاعلين المسلحين” لا ترسل رسائل طمأنة للمواطنين الذين لا يزالون يعيشون على أمل تنفيذ قرار إفراغ العاصمة من المظاهر العسكرية، ويجب ضبط الحسابات بين الاستخدام الأمثل لفكرة هذه الانشقاقات وتحقيق ذروة الانتصار النفسي على العدو، في مقابل محاذير التأثيرات الأمنية لهذه المظاهر على الجبهة الداخلية.

لا يمكن بأي حال تجاوز حالة “الانفلات” في رسائل وحديث الجنود من كل الأطراف، لأنها مؤشر واضح جدًا لغياب الانضباط الإعلامي العسكري وعدم صدور “تعاميم” وتوجيهات انضباطية صارمة تقابل الأضرار الجسيمة لهذا السلوك المتفلت لكل من امتلك جهاز هاتف ذكي وخدمة رخيصة للإنترنت؛ إذ إنه وفي حربٍ كالتي تدور الآن منذ سنوات وتُستخدم فيها كل ما هو متاح من أسلحة ووسائل، كان من الواجب وبقدر التنسيق والترتيب على مستوى العمليات العسكرية في الميدان أن يكون هناك إعادة ضبط تمنع الجنود من الظهور في رسائل لا يدركون تأثير محتواها، وتؤدي إلى تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة حرب موازية يصعب السيطرة على آثارها.

حديث ورسائل الجنود المبذولة مجانًا في الفضاء الرقمي فيها تكاليف خطيرة، ولا يبدو أن هناك حسابًا دقيقًا لخسائرها، والتي تبدأ من تسريب المعلومات الميدانية ورفع الروح العدائية وخلق الدوافع لديه، في مقابل زيادة الخوف والهلع في أوساط المدنيين، وتسهيل ضرب التماسك النفسي المطلوب في الجبهة الداخلية، وإضعاف ثقتهم في السيطرة العسكرية.

“الهاتف المحمول” وخدمات الإنترنت والتطبيقات التفاعلية التي عليه عبارة عن أدوات، مجرد وجودها في يد الجنود يُحشى بمحتوى كالذي يتم تداوله الآن يحوله إلى سلاح دمار شامل، ويدفعنا للسؤال عن لماذا يُترك الجنود للتعبير الفردي في قضايا حساسة كالتي يثيرونها دون أدنى وازع انضباطي يشير إلى وجود قيادة موحدة وتنسيق بين القوات التي تقاتل في الميدان.

جزء مهم من أدوات رسم خارطة الانتصار العسكري هي القدرة الإعلامية على تسخير كل ما يحدث في الميدان لخدمة الخطة العسكرية، ولإيصال فكرة الانتصار للمدنيين بما يعزز الطمأنينة والثقة في استقرار الحياة المدنية.

قرار إخلاء العاصمة من المظاهر العسكرية، والذي على ما يبدو لم يجد طريقته للتنفيذ بالشكل المراد، ولتحقيق هدف استعادة الحياة المدنية، يبدو وكأنه قد سُمع وكأنه قرار في مواجهة تشكيلات عسكرية بعينها تعتقد بأن هواجس المواطنين الأمنية غير مبررة، وأن تواجدها هو جزء من وجود القوات المسلحة المشروع، وأنها كانت جزءًا من معارك التحرير.

حديث الجنود ورسائلهم التي يحتشد بها الفضاء الرقمي تقول بأننا في حاجة لتوسيع نطاق قرار الإخلاء من المظاهر العسكرية، والتي صارت تبدد حالة الطمأنينة لدى المواطنين، ليشمل الفضاء الرقمي، وضرورة إخلائه من مظاهر المحتوى غير المنضبط، وضرورة عدم استسهال تأثيراته على السلامة العامة وتماسك الفصيل العسكري المقاتل والمواطنين على حد سواء.

الاجتهاد الذي يُبذل من أجل استعادة تماسك النسيج الاجتماعي السوداني، والذي مزقته الحرب وخطابها، تقابله الرسائل وحديث الجنود، والذي في الغالب تكون محدداته شخصية وانفعالية في لحظة نصر أو هزيمة.

وكلما صادفتنا هذه الروح وهذه اللغة في حديث الجنود ازداد يقيننا بمطلوبات إصلاح المؤسسات العسكرية وضرورة وجود جيش واحد بتكوين “قومي” يتجاوز روح الجهة والقبيلة، وبعقيدة عسكرية لا تنحدر إلى مستوى المسموع من حديث الجنود والمتداول الآن على مواقع التواصل الاجتماعي.

على المستوى المدني أيضًا نحن محتاجون لإعلان حالة طوارئ إعلامية تنشر الوعي بخطورة عدم انضباط حديث الجنود وانفلات رسائلهم من أحكام سيطرة القيادة الموحدة، والعمل بقدر الإمكان بأن يحل حديث الوعي والتنوير مكان رسائل الكراهية والترهيب.

كل الحروب التي شهدها السودان، بما فيها التي تدور الآن، ابتدأت من حيث استصغر الناس شررها وشرها، والحرب أولها الكلام، وحديث الجنود الذي يتم الاحتفاء به لأنه يخاطب مواضع الجهل لدى البعض يحمل في داخله كل أسباب استمرار الحرب وتهديداتها على السودان شعبًا وأرضًا.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى