أمين محمد يكتب : شريان الصمود

حديث القلم ..
في خضم الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يعيشها السودان، برزت تحويلات المغتربين كواحدة من أهم ركائز الصمود المعيشي؛ فمع اندلاع الحرب وتوقف عجلة الإنتاج، غدت هذه التحويلات “طوق نجاة” يخفف وطأة الواقع، ويعيد ترتيب فوضى الاحتياجات اليومية لآلاف الأسر.
وخلف هذه الأرقام المتدفقة، تكمن قصص إنسانية تقطر تضحية؛ فالمغترب السوداني، رغم مرارة الغربة وضغوط العمل، لم يتردد يوماً في اقتطاع لقمته لمداواة جراح أهله، وتحويل نتاج سهره وعنائه كـ “رسائل حب” تؤكد أن الغائب حاضر بوجعه وجهده، ولم ينفصل يوماً عن هموم وطنه الصغير أو الكبير. لم تعد هذه المساهمات دعماً مؤقتاً، بل تحولت إلى عصب أساسي للحياة في ظل انسداد أفق الكسب المحلي، مما يجعل استمرار هذا الشريان المالي أمراً حيوياً لا غنى عنه لصون الكرامة.
اقتصادياً، تمثل هذه التدفقات مورداً سيادياً للنقد الأجنبي، وتلعب دوراً محورياً في تنشيط الأسواق المحلية، لكنها تعكس في الوقت ذاته هشاشة بنية اقتصادية باتت تتغذى على الخارج بدلاً من الإنتاج الداخلي. ورغم هذا الدور البطولي، لا تزال هذه التحويلات تفتقر إلى الحوافز والسياسات الجاذبة؛ إذ يتطلب تحويلها من “أداة استهلاك” إلى “قوة استثمارية” توفير قنوات مصرفية رسمية وضمانات حقيقية تشجع المغترب على أن يكون شريكاً في الإعمار، لا مجرد “مسعف” في الأزمات.
إن الوفاء الحقيقي للمغتربين، بما يقدمونه من إيثار يتجاوز طاقاتهم، يكمن في بناء اقتصاد قوي ومنتج، يخفف عن كاهلهم هذا العبء الثقيل، ويعيد التوازن بين مغتربٍ يطمح للاستقرار ووطنٍ يطمح للاكتفاء.



