تحليل تقرير الدليل الوطني لقياس الفقر متعدد الأبعاد

(مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية – OPHI، يوليو 2026)

بقلم: د. ماجدة مصطفى صادق

 عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية 

جامعة السودان العالمية 

يمثل إطلاق المؤشر السوداني للفقر متعدد الأبعاد (Sudan MPI 2023) خطوة استراتيجية مهمة في تطوير منظومة قياس الفقر في السودان، حيث ينتقل من الاعتماد على مفهوم الفقر النقدي التقليدي إلى قياس الفقر من منظور أشمل يراعي أبعاد الحياة المختلفة. ويُعد هذا المؤشر أول مقياس وطني متعدد الأبعاد في السودان وقد تم تطويره بالشراكة بين الجهاز المركزي للإحصاء ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية (OPHI) وعدد من الشركاء الدوليين.

أولاً: أهمية المؤشر

يعتمد الفقر التقليدي على قياس مستوى الدخل أو الإنفاق، إلا أن هذا الأسلوب لا يعكس جميع جوانب الحرمان التي يعاني منها الأفراد. لذلك جاء مؤشر الفقر متعدد الأبعاد لقياس الحرمان في أربعة أبعاد رئيسية هي:

الصحة.

التعليم.

مستوى المعيشة.

العمل والتوظيف.

ويتضمن المؤشر 14 مؤشراً فرعياً تقيس مدى حصول الأسر على الخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية والاجتماعية، مما يوفر صورة أكثر دقة عن واقع الفقر في السودان.

ثانياً: النتائج الرئيسية

أظهرت نتائج المسح الوطني للفقر متعدد الأبعاد لعام 2023 أن السودان كان يعاني من مستويات مرتفعة جداً من الفقر حتى قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023.

ومن أبرز النتائج:

بلغ مؤشر الفقر متعدد الأبعاد (MPI) نحو 0.441.

يعاني 82.8% من السكان من الفقر متعدد الأبعاد.

تعاني الأسر الفقيرة من حرمان في 53.3% من المؤشرات في المتوسط، وهو ما يدل على أن الفقر ليس واسع الانتشار فقط، بل عميق أيضاً.

وتشير هذه النتائج إلى أن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في السودان كانت قائمة قبل الحرب، وأن النزاع المسلح أدى لاحقاً إلى تفاقمها بصورة كبيرة.

ثالثاً: أهم أسباب الفقر

كشف التقرير أن أكبر مساهمة في الفقر جاءت من:

ضعف الخدمات الصحية.

انخفاض سنوات التعليم.

عدم انتظام الأطفال في الدراسة.

وهذا يؤكد أن الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية يمثل المدخل الأساسي للحد من الفقر وتحسين رأس المال البشري.

رابعاً: التفاوت الجغرافي

يوضح التقرير وجود فروق كبيرة بين الولايات السودانية، حيث سجلت ولايات مثل:

شمال كردفان.

كسلا.

النيل الأزرق.

أعلى معدلات للفقر متعدد الأبعاد، بينما سجلت ولايات مثل الخرطوم والشمالية معدلات أقل نسبياً.

ويعكس ذلك عدم التوازن التنموي بين الأقاليم، ويؤكد ضرورة تصميم سياسات تنموية تتناسب مع احتياجات كل ولاية.

خامساً: الفئات الأكثر تضرراً

حدد التقرير عدداً من الفئات التي تواجه مستويات أعلى من الحرمان، وتشمل:

سكان المناطق الريفية.

الرحل.

النازحين داخلياً.

اللاجئين.

الأسر التي تعولها النساء.

الأسر التي يعولها الشباب.

ويبرز ذلك أهمية توجيه برامج الحماية الاجتماعية لهذه الفئات الأكثر هشاشة.

سادساً: الآثار على السياسات العامة

يوفر المؤشر أداة مهمة لصناع القرار من خلال:

توجيه الموارد إلى المناطق الأكثر فقراً.

تحديد أولويات الاستثمار في الصحة والتعليم.

تحسين برامج الحماية الاجتماعية.

دعم خطط إعادة الإعمار بعد الحرب.

متابعة تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وخاصة الهدف الأول (القضاء على الفقر).

سابعاً: أهمية التقرير في مرحلة ما بعد الحرب

تكمن القيمة العلمية لهذا التقرير في أن بياناته جُمعت قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، وبالتالي فإنه يمثل خط الأساس (Baseline) الذي يمكن الاعتماد عليه لقياس حجم التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي أحدثته الحرب، وتقييم فعالية برامج التعافي وإعادة الإعمار مستقبلاً.

ثامناً: تقييم نقدي

على الرغم من أهمية التقرير، إلا أن هناك بعض الملاحظات:

لا يعكس المؤشر آثار الحرب التي اندلعت بعد جمع البيانات.

من المرجح أن تكون معدلات الفقر الحالية أعلى بكثير نتيجة النزوح الواسع وتدمير البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية.

هناك حاجة إلى تحديث دوري للمؤشر وإضافة مؤشرات تعكس آثار النزاعات، مثل النزوح، وفقدان مصادر الدخل، والوصول إلى المساعدات الإنسانية.

الخلاصة

يمثل المؤشر السوداني للفقر متعدد الأبعاد 2023 نقلة نوعية في قياس الفقر ورسم السياسات التنموية في السودان، إذ يبين أن 82.8% من السكان كانوا يعانون من الفقر متعدد الأبعاد قبل اندلاع الحرب. كما يوضح أن الفقر يرتبط بصورة أساسية بضعف التعليم والخدمات الصحية والتفاوت الإقليمي، مما يجعل الاستثمار في رأس المال البشري وتحقيق العدالة المكانية من أهم أولويات التنمية.

ومع استمرار الحرب منذ أبريل 2023، تزداد أهمية هذا المؤشر باعتباره مرجعاً أساسياً لتقدير حجم التدهور التنموي، وتصميم سياسات فعالة للتعافي الاقتصادي، وإعادة الإعمار، والحد من الفقر في السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى