لا تصنعوا دعم سريع جديد ايها السادة .. (٣ – ٣)

اليوم التالي للحرب: ماذا يفعل السودان بعشرات الآلاف من المقاتلين والسلاح المنتشر؟
حين تصمت المدافع تبدأ المعركة الأصعب.. كيف تستعيد الدولة احتكار السلاح دون أن يتحول مقاتلو الأمس إلى ميليشيات الغد؟
بقلم / محمد فؤاد عيد
لقد دفع السودان ولايزال يدفع ثمنا باهظا جدا لوجود قوة مسلحة خارج إطار الدولة انشقت عن ولائها الوطني واتخذت من القوة والسلطة والثروة هدفا بدلا من حماية الشعب والوطن واليوم ونحن نرى كل هذا الدمار الشامل والتهجير القسري والانقسام الخطير لا ينبغي لأي طرف في السلطة أيا كان موقعه أو توجهه أن يقع في نفس الخطأ الفادح مرة أخرى والتجربة المريرة علمتنا أن أي تكوين لقوات موازية أو خاصة أو تابعة لجهات محددة بعيدا عن الجيش الوطني الموحد والمؤسسي هو بذرة لصراع قادم وتهديد لوحدة السودان وسيادته مهما كانت المبررات التي تقدم وقتها ومهما كانت الأهداف الظاهرة التي يروج لها فالقوى المسلحة التي لا تخضع كليا لسلطة الدولة ولا ترتبط ببرامج وطنية موحدة ولا تخضع لرقابة شعبية ومؤسسية سرعان ما تتحول من أداة حماية إلى أداة ابتزاز وسيطرة ونهب إن الدعوة إلى عدم صنع دعم سريع جديد ليست دعوة لمنع تكوين القوات النظامية بل هي دعوة صادقة لتوحيد كل السلاح في يد الدولة وحدها وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية نزيهة بعيدا عن الولاءات الشخصية أو الفئوية أو الخارجية فلا سلام ولا استقرار ولا بناء في بلد تتعدد فيه الجيوش وتتوزع فيه الولاءات وتتداخل فيه المصالح الأجنبية وعلى من يتصدرون المشهد اليوم أن يعلموا أن السودان لا يحتمل مزيدا من الانقسام ولا مزيدا من الحروب الأهلية وأن شعبا دفع الغالي والنفيس لا يقبل أن يكرر الماضي الأليم تحت أي شعار جديد أو أي مسمى مختلف فالخلاص يكمن في دولة المؤسسات والقانون والجيش الواحد الذي لا يعرف إلا الوطن ولا يخدم إلا أهله وقد تنتهي الحرب في السودان يوماً باتفاق سياسي أو بانتصار عسكري أو بانهيار أحد أطرافها أو بتسوية تفرضها موازين القوة والإرهاق لكن السؤال الذي سيواجه الدولة في صباح اليوم التالي ربما يكون أكثر تعقيداً من السؤال الذي واجهها في صباح الخامس عشر من أبريل 2023 .
*ثم ماذا بعد انتهاء الحرب :*
لا تفتحوا باب الشر من جديد ولا تزرعوا ما ستحصدة الأجيال القادمة ويلآ فلا تصنعوا دعم سريع جديد أيها السادة وعلى من يتصدرون المشهد اليوم أن يعلموا أن السودان لا يحتمل مزيدا من الانقسام ولا مزيدا من الحروب الأهلية وأن شعبا دفع الغالي والنفيس لا يقبل أن يكرر الماضي الأليم تحت أي شعار جديد أو أي مسمى مختلف فالخلاص يكمن في دولة المؤسسات والقانون والجيش الواحد الذي لا يعرف إلا الوطن ولا يخدم إلا أهله
ماذا نفعل بكل هذا السلاح ؟
وماذا نفعل بعشرات الآلاف من الرجال الذين عاشوا سنوات وهم يحملون البنادق ويقاتلون في الجبهات ويقيمون نقاط التفتيش ويتنقلون بين المدن والقرى ويعتاش بعضهم من اقتصاد الحرب ؟
من سيعيد هؤلاء إلى الحياة المدنية ؟
ومن سيقنع المقاتل الذي أصبحت البندقية مصدر سلطته ودخله ومكانته الاجتماعية بأن يسلمها ويعود مواطناً عادياً ؟
وأين سيذهب قادة الوحدات الميدانية؟
وهل ستستطيع القوات المسلحة استيعاب كل من قاتل إلى جانبها ؟
وهل سيتم دمج المنشقين عن الدعم السريع والحركات المسلحة والمستنفرين والقوات المتحالفة مع الجيش؟
أم أن السودان سيخرج من الحرب الحالية بجيش رسمي تحيط به عشرات التشكيلات المسلحة التي تنتظر فقط الخلاف السياسي القادم لتعود إلى ساحات القتال؟
هذه ليست أسئلة للمستقبل البعيد إنها أسئلة يجب أن تبدأ الإجابة عنها قبل أن تنتهي الحرب لأن أخطر خطأ يمكن أن يرتكبه السودان هو أن ينتظر توقف إطلاق النار ثم يبدأ البحث عما يفعله بمئات الآلاف من قطع السلاح والرجال الذين يحملونها
الحرب قد تتوقف لكن السلاح لا يختفي
وكما هو معلوم في التجارب الدولية لا يعني توقيع اتفاق سلام أن الحرب انتهت فعلياً فقد يتوقف إطلاق النار الكبير بينما تستمر الاشتباكات الصغيرة
وقد تلتزم القيادات السياسية والعسكرية بالاتفاق بينما ترفض مجموعات ميدانية تسليم أسلحتها
وقد ينقسم الفصيل الواحد بين من يقبل بالتسوية ومن يرفضها ومن هنا تبدأ مرحلة ربما تكون أخطر من الحرب المنظمة الى مرحلة السلاح بلا قيادة مركزية فخلال الحرب يكون للجندي قائد وللقائد قيادة وللقيادة هدف عسكري أو سياسي
لكن ماذا يحدث إذا انهارت هذه السلسلة؟
قد يتحول المقاتل إلى جزء من مجموعة صغيرة
وقد تتحول الوحدة العسكرية إلى قوة محلية
وقد يصبح السلاح وسيلة للعيش وهنا تنتقل البلاد من حرب لها طرفان معروفان إلى حالة من العنف المتناثر الذي يصعب السيطرة عليه
*السودان ليس أمام جيشين فقط :*
من الخطأ النظر إلى اليوم التالي للحرب باعتباره مشكلة بين الجيش والدعم السريع وحدهما
فخريطة السلاح في السودان أصبحت أكثر تعقيداً
هناك القوات المسلحة وهناك الدعم السريع وما قد يتبقى منه وهناك الحركات المسلحة الموقعة وغير الموقعة على اتفاقات السلام وهناك القوات المشتركة وهناك تشكيلات محلية وهناك قوات درع السودان وهناك المستنفرون والمقاومة الشعبية بمسمياتها المختلفة وهى مسلحة وهناك مجموعات قبلية تحمل السلاح فضلاً عن كميات كبيرة من الأسلحة التي انتشرت بين المدنيين بسبب انهيار الأمن واتساع رقعة الحرب ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط كيف يتم حل الدعم السريع
بل كيف يعاد تنظيم الفضاء الأمني والعسكري كله في السودان إذا عولج طرف واحد وبقيت بقية الجيوش فإن جذور الأزمة ستظل قائمة.
*السلاح الذي دخل البيوت :*
أحد أخطر آثار الحرب الحالية هو انتقال السلاح من المؤسسات والمعسكرات إلى المجتمع فالإنسان الذي عاش أشهراً أو سنوات في منطقة بلا شرطة ولا مؤسسات أمنية قد يكون قد اقتنى سلاحاً لحماية نفسه وأسرته لكن ماذا يحدث بعد عودة الدولة ؟ هل سيعيد هذا المواطن السلاح؟
وماذا لو شعر بأن الدولة لم تعد قوية بما يكفي لحمايته ؟ المشكلة هنا ليست أمنية فقط إنها أزمة ثقة فالدولة لا تستطيع أن تطلب من الناس تسليم أسلحتهم إذا كانت عاجزة عن إقناعهم بأنها قادرة على حمايتهم ولهذا فإن نزع السلاح لا يبدأ بجمع البنادق بل يبدأ بإعادة بناء الثقة في الدولة
الشرطة
القضاء
النيابة
المؤسسات المحلية
والأمن الذي يشعر به المواطن في حياته اليومية
عندما يعتقد الإنسان أن القانون يحميه تصبح البندقية عبئاً أما عندما يشعر بأن حياته تعتمد عليها فلن يتخلى عنها بسهولة .
*عشرات الآلاف من المقاتلين.. إلى أين؟*
هذه هي القنبلة الاجتماعية التي قد تنفجر بعد الحرب ماذا يفعل السودان بعشرات الآلاف من الشباب الذين أصبح القتال مهنتهم ؟
بعض هؤلاء ربما لم يعرف عملاً آخر وبعضهم ترك الدراسة وبعضهم فقد أسرته وبعضهم عاش سنوات بعيداً عن الحياة المدنية وبعضهم أصبح معتاداً على السلطة التي يمنحها السلاح
إعادتهم إلى المجتمع لن تتم بإصدار قرار عسكري
ولا يمكن جمعهم في معسكر ثم مطالبتهم بتسليم البنادق والعودة إلى منازلهم وكأن شيئاً لم يحدث
هؤلاء يحتاجون إلى عملية متكاملة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج لكن إعادة الدمج ليست مجرد راتب مؤقت إنها مشروع اقتصادي واجتماعي ونفسي طويل يحتاج إلى التدريب المهني
وفرص العمل والتعليم والرعاية النفسية والمساعدة على العودة إلى المجتمعات المحلية وإعادة بناء العلاقات التي دمرتها الحرب
*من يحمل السلاح لا يصبح جندياً تلقائياً :*
من أخطر الأفكار التي قد تظهر بعد الحرب الاعتقاد بأن الحل الأسهل هو دمج كل المقاتلين في الجيش
هذا غير ممكن وليس مطلوباً أصلاً الجيش مؤسسة لها احتياجات محددة ويتم الاستيعاب والتجنيد والتخريج وفق ضوابط وأسس ولا يمكن تحويل عشرات الآلاف من المقاتلين غير النظاميين إلى عسكريين دائمين فذلك يعني تضخيم المؤسسة العسكرية بصورة هائلة وتحويل ميزانية الدولة إلى رواتب وسلاح على حساب التعليم والصحة والإعمار كما أنه قد يؤدي إلى إدخال الولاءات القديمة داخل الجيش ولهذا يجب أن يكون الدمج العسكري محدوداً ومهنياً يتم اختيار من تتوافر فيهم الشروط ويخضعون للتدريب المعروف فى كلياتنا الحربية والعسكرية بمسمياتها المختلفة ويتم توزيعهم كأفراد داخل المؤسسة لا كوحدات تحتفظ بقياداتها القديمة أما الغالبية فيجب أن تجد طريقها إلى الحياة المدنية.
*نزع السلاح أم شراء السلام :*
هناك تجربة خطيرة تتكرر في بعض الدول الخارجة من النزاعات حيث تدفع الدولة الأموال للمقاتلين مقابل تسليم السلاح وقد يبدو ذلك حلاً سريعاً
لكنه قد يحمل نتائج عكسية إذا أصبح حمل السلاح طريقاً للحصول على المال فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع هي أن من حمل البندقية يكافأ بينما من بقي مدنياً لا يحصل على شيء وهذا قد يشجع على ظهور مجموعات مسلحة جديدة تطالب بنصيبها من التسوية لذلك فإن برامج نزع السلاح يجب ألا تتحول إلى مكافأة على التمرد بل ينبغي أن تكون جزءاً من برنامج أوسع لإعادة بناء المجتمعات يستفيد منه المقاتل والمدني والنازح والضحية وإلا فإن الدولة قد تشتري هدوءاً مؤقتاً لكنها تزرع أسباب حرب جديدة .
*ماذا عن القيادات :*
ربما يكون التعامل مع المقاتل العادي أسهل من التعامل مع القائد كما يبدو فالقائد الذي كان يتحكم في آلاف الرجال لن يقبل بسهولة أن يصبح شخصاً عادياً وقد يكون قد امتلك خلال الحرب المال والنفوذ وشبكات التجارة والعلاقات السياسية والخارجية
هنا تظهر معضلة أمراء الحرب كيف تحول قائداً عسكرياً إلى مواطن دون أن تضع الدولة تحت رحمته ؟
إذا منحته منصباً سياسياً مقابل تسليم السلاح فقد يفهم الآخرون أن أقصر طريق إلى السلطة هو إنشاء قوة مسلحة ولعل هذا العامل قد حدث بالفعل وما زلنا نعاني منة .
وإذا منحته رتبة عسكرية كبيرة فقد يتحول الجيش نفسه إلى تجمع لقادة الفصائل وإذا تجاهلته ربما يعود إلى حمل السلاح هذه المعادلة لا توجد لها حلول سهلة لكن المبدأ يجب أن يكون واضحاً
لا يمكن أن تكون البندقية وسيلة دائمة للحصول على السلطة يجب أن يدخل من يريد العمل السياسي عبر السياسة ومن يريد العمل العسكري عبر المؤسسة العسكرية وفق القانون أما الاحتفاظ بقوة مسلحة كورقة تفاوض فيجب أن يصبح جزءاً من الماضي وهى نقطة فى غاية الأهمية.
*العدالة والمصالحة.. السؤال الأصعب:*
لا يمكن الحديث عن إعادة دمج المقاتلين دون الحديث عن الضحايا كيف يمكن إعادة شخص إلى قرية يتهمه أهلها بقتل أبنائهم ؟
كيف تتم المصالحة بين مجتمعات شهدت القتل والنهب والتهجير ؟ وهل تكفي برامج التسريح؟
بالطبع لا ….
السودان سيحتاج إلى عدالة حقيقية
لكن العدالة نفسها تحتاج إلى توازن دقيق
يجب محاسبة المسؤولين عن الجرائم الخطيرة
وفي الوقت نفسه يجب إيجاد مسار يسمح لآلاف المقاتلين الذين لم تثبت مشاركتهم في جرائم جسيمة بالعودة إلى المجتمع إذا حاولت الدولة محاكمة الجميع فقد يكون ذلك مستحيلاً وإذا عفت عن الجميع فقد تفقد العدالة معناها ولهذا ستكون هناك حاجة إلى نظام عدالة انتقالية يفرق بين المسؤوليات بين :
من أصدر الأوامر
ومن ارتكب الجرائم
ومن شارك تحت الإكراه
ومن كان مجرد مقاتل عادي
هذه ليست فقط قضية قانونية بل شرط أساسي لسلام مستدام.
*السودان واقتصاد ما بعد الحرب*
نجاح نزع السلاح مرتبط ارتباطاً مباشراً بالاقتصاد
لا يمكنك أن تطلب من شاب التخلي عن بندقية تمنحه دخلاً ونفوذاً ثم تتركه في بلد بلا وظائف
إذا لم يجد المقاتل السابق فرصة للعيش فقد يعود إلى السلاح أو الجريمة أو التهريب ولهذا فإن إعادة الإعمار ليست مجرد بناء جسور ومستشفيات إنها جزء من استراتيجية الأمن كل وظيفة جديدة قد تكون بندقية أقل كل مدرسة تعود للعمل قد تمنع طفلاً من أن يصبح مقاتلاً كل مشروع زراعي أو صناعي يمكن أن يسحب مجموعة من الشباب من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام الدولة التي تريد احتكار السلاح يجب أن تستطيع أيضاً توفير بدائل لمن يتخلى عنه .
*خطر الحدود :*
السودان تحيط به منطقة تعاني أصلاً من انتشار السلاح والنزاعات ليبيا ، تشاد ، أفريقيا الوسطى ، جنوب السودان ومناطق أخرى تشهد حركة جماعات مسلحة وتهريباً عبر الحدود إذا لم يتم احتواء المقاتلين بعد الحرب فقد تتحول بعض المجموعات إلى قوات عابرة للحدود تقاتل هنا اليوم وهناك غداً وتعود عند تغير الظروف وهنا يصبح نزع السلاح السوداني قضية إقليمية أيضاً ويحتاج إلى تعاون مع دول الجوار ومراقبة الحدود وقطع شبكات تهريب السلاح وإلا فإن البندقية التي تخرج من السودان قد تعود إليه لاحقاً في حرب جديدة
ويبقى السؤال هل يستطيع السودان تنفيذ برنامج بهذا الحجم ؟
السؤال مشروع
فالدولة ستكون خارجة من حرب مدمرة الاقتصاد منهك البنية التحتية مدمرة الملايين بين نازح ولاجئ والمؤسسات ضعيفة وفي الوقت نفسه سيكون عليها تمويل واحد من أكبر برامج نزع السلاح وإعادة الدمج في تاريخها ولهذا سيحتاج السودان إلى دعم دولي واسع لكن الدعم الدولي وحده لا يكفي هناك شرط أهم وهو وجود مشروع سوداني واضح فالمال يمكن أن يمول البرنامج
لكن القرار يجب أن يكون سودانياً والهدف يجب أن يكون بناء دولة وطنية لا إعادة توزيع المليشيات.
*اليوم التالي يجب أن يبدأ اليوم :*
الخطأ القاتل هو تأجيل هذه الأسئلة إلى ما بعد انتهاء الحرب يجب منذ الآن أن تكون هناك رؤيةكم عدد المقاتلين ؟ أين توجد الأسلحة ؟ ما هي التشكيلات الموجودة ؟ من يمكن دمجه ؟ من يجب تسريحه ؟ كيف تتم المحاسبة ؟ كيف تعاد الشرطة وكيف يتم تأمين المدن ؟ وكيف تمنع الفراغات الأمنية ؟
لأن أخطر لحظة قد يمر بها السودان ليست أثناء المعركة الكبرى بل في اللحظة التي تتوقف فيها الحرب قبل أن تعود الدولة هذه المسافة بين سقوط القوة المسلحة وعودة مؤسسات الدولة هي المساحة التي تولد فيها الميليشيات والجريمة والفوضى.
*جيش واحد.. أم انتظار حرب أخرى؟*
في النهاية يعود السودان إلى السؤال نفسه الذي ظل يؤجله لعقود من يملك السلاح؟
إذا كانت الإجابة بعد هذه الحرب هي الجيش والحركات المسلحة والمستنفرون والقوات المحلية والقبائل والقادة الميدانيون فإن الحرب لم تحل شيئاً.
أما إذا كانت الإجابة هي الدولة وحدها فإن السودان ربما يكون قد تعلم أخيراً أكثر دروس هذه الحرب قسوة حيث لا يمكن بناء دولة بجيوش متعددة ولا يمكن تحقيق سلام إذا كان لكل أزمة بندقيتها ولا يمكن بناء ديمقراطية بينما يحتفظ كل طرف بجيشه الخاص تحسباً للخلاف المقبل .
وليعلم الجميع بأن اليوم التالي للحرب لن يكون يوماً للاحتفال فقط سيكون بداية أصعب معركة معركة تحويل المقاتل إلى مواطن والبندقية إلى قانون والميليشيا إلى مؤسسة أو حياة مدنية والخوف إلى ثقة والحرب إلى دولة وقد يكون انتصار السودان الحقيقي ليس في أن ينجح الجيش في هزيمة الدعم السريع أو أن تنتهي المعارك باتفاق بل في أن يستيقظ السودانيون بعد سنوات من نهاية الحرب ولا يجدوا في بلادهم سوى مؤسسة عسكرية وطنية واحدة عندها فقط يمكن القول إن الحرب انتهت أما إذا بقي عشرات الآلاف من الرجال ينتظرون خلف أبواب السياسة حاملين بنادقهم فإن السودان لن يكون قد دخل اليوم التالي للحرب، بل سيكون واقفاً في اليوم السابق لحرب أخرى.



