حين تستسلم البنادق .. الجزء الأول: الاستيعاب بين ضرورات الحسم العسكري وحدود المساءلة القانونية

البعد الخامس
بقلم: صباح المكي
bitalmakki@gmail.com
قراءة في لماذا تستوعب الدول بعض خصومها بعد الحرب، وكيف يتحول الاستيعاب من أداة لتفكيك التمرد إلى خطر إذا انفصل عن الفرز والمحاسبة.
في الحروب الكبرى، لا تنتهي المعركة دائمًا عند لحظة الانتصار العسكري، أو سقوط المواقع، أو استسلام القادة، أو تبدّل الولاءات. ففي كثير من الأحيان، تبدأ بعد المعركة الميدانية معركة أشد تعقيدًا: كيف تتعامل الدولة مع من حملوا السلاح ضدها ثم عادوا إليها؟ هل تعاقب الجميع بلا تمييز؟ هل تفتح الباب لاستيعاب بعضهم؟ وهل يكون الاستيعاب أداة لتفكيك الخصم، أم يمكن، إذا غابت الضمانات، أن يتحول إلى غطاء للإفلات من المساءلة ؟
هذا السؤال يطرح نفسه بإلحاح كلما استسلمت قيادات أو عناصر عسكرية للجيش، ثم جرى التعامل مع بعضها ضمن ترتيبات عسكرية أو أمنية، أو استُوعب بعضها داخل المؤسسة. وهنا لا ينبغي أن يُقرأ النقاش بوصفه اتهامًا للجيش، أو تشكيكًا في دوره الوطني، أو تقليلًا من تضحياته في استعادة الدولة، بل باعتباره سؤالًا ضروريًا في كل دولة تخرج من حرب: كيف ننتقل من منطق الحسم العسكري إلى منطق العدالة المؤسسية؟ وكيف نفرّق بين من عاد إلى الدولة بوصفه عنصرًا يمكن تفكيكه من بنية التمرد، وبين من تلطخت يده بدماء المدنيين أو شارك في النهب، والاغتصاب، والتهجير، والإذلال؟
فالدولة، في لحظات الحرب، لا تتحرك بمنطق القضاء وحده، ولا بمنطق الميدان وحده. هناك منطقة دقيقة بينهما، حيث قد يصبح استسلام القادة والعناصر أداة لتسريع انهيار الميليشيا، وشق صفوفها، وسحب كوادرها، وجمع معلوماتها، وحرمانها من خبرات ميدانية كانت تمنحها القدرة على الاستمرار. لكن هذه الضرورة الأمنية لا يجوز أن تتحول إلى عفو غير معلن، ولا إلى إعادة تدوير غير مشروطة، ولا إلى رسالة مؤلمة للضحايا بأن من اعتدى عليهم يستطيع أن ينجو بمجرد أن غيّر موقعه أو سلّم سلاحه.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز: ليس كل استيعاب تواطؤًا، وليس كل عفو حكمة. الفارق بينهما تصنعه الآلية، والفرز، والشفافية، وربط أي تسوية عسكرية أو أمنية بمسار قانوني واضح لا يُسقط حقوق الضحايا، ولا يساوي بين المقاتل العادي والجاني.
*أولًا: لماذا تستوعب الجيوش بعض خصومها بعد الاستسلام؟*
في التاريخ الحديث، لم يكن استيعاب بعض الخصوم السابقين ظاهرة غريبة أو شاذة. فكثير من الدول الخارجة من حروب أهلية أو نزاعات مسلحة لجأت إلى ما يُعرف ببرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، لا باعتبارها مكافأة للخصوم، بل باعتبارها وسيلة لتفكيك القوة المعادية وتحويلها من تهديد مسلح إلى ملف قابل للضبط.
فالاستيعاب، من حيث المبدأ، قد يخدم عدة أهداف: يشق صفوف القوة المعادية، ويشجع مزيدًا من الانشقاقات، ويمنع استمرار القتال، ويجمع السلاح، ويسحب الخبرات القتالية من الميليشيا، ويفتح طريقًا لاختراق شبكاتها ومعرفة بنية قيادتها وتمويلها وتحركاتها. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون الاستيعاب جزءًا من إدارة الحرب، لا دليلًا على التراخي أو التواطؤ.
وحين تستوعب الدولة بعض المستسلمين، فهي قد تفعل ذلك لأنها تريد أن تحرم الميليشيا من القدرة على إعادة التماسك. فكل قائد يغادر صفوفها قد يسحب معه معرفة ميدانية، أو شبكة اتصال، أو عناصر تابعة، أو معلومات عن مواقع السلاح وطرق الإمداد ومصادر التمويل ونقاط الضعف داخل التنظيم. لذلك قد يكون الاستيعاب أحيانًا جزءًا من الحرب نفسها، ولكن بوسائل سياسية وأمنية، لا عسكرية فقط.
غير أن هذا المنطق لا يكون مقبولًا إلا بشرط جوهري: ألا يتحول الاستيعاب إلى غسل للسجل، أو إلى عفو غير معلن، أو إلى حصانة واقعية لمن ارتكب جرائم ضد المدنيين. فالمقاتل الذي عاد إلى الدولة لا يصبح بريئًا بمجرد عودته، والقائد الذي سلّم نفسه لا تسقط عنه المسؤولية إن كانت هناك جرائم، أو بلاغات، أو شهادات، أو قرائن.
لذلك، فإن السؤال الصحيح ليس: هل يجوز للدولة أن تستوعب بعض المستسلمين أم لا؟ بل السؤال الأدق هو: كيف تستوعبهم؟ وبأي شروط؟ وتحت أي رقابة؟ ومن يُستثنى من هذا الاستيعاب؟ وما مصير حقوق الضحايا؟
*ثانيًا: الاستسلام موقف عسكري، أما البراءة فحكم قانوني*
من أخطر أخطاء مرحلة ما بعد الحرب أن يتحول الاستسلام إلى شهادة براءة. فمن سلّم نفسه للدولة يكون قد خرج من خانة المواجهة المسلحة المباشرة، لكنه لا يخرج تلقائيًا من دائرة المسؤولية إن وُجدت ضده جرائم، أو بلاغات، أو شهادات، أو قرائن.
لذلك، لا بد من التمييز بين مستويات مختلفة من المسؤولية: بين المقاتل العادي، والقائد الميداني، ومن أصدر الأوامر، ومن شارك في الانتهاكات، ومن حرّض أو موّل أو خطط، ومن استغل الفوضى للنهب، أو الانتقام، أو الإذلال، أو الاعتداء على المدنيين.
الدولة الرشيدة لا تساوي بين هؤلاء، لكنها لا تخلط بينهم خلطًا يظلم الضحايا أو يفتح ثغرة للإفلات من المساءلة. فالمقاتل الذي لم تثبت عليه جريمة ضد المدنيين يمكن التعامل معه ضمن مسارات أمنية أو تأهيلية أو قانونية محددة. أما من ارتكب قتلًا، أو اغتصابًا، أو نهبًا، أو اختطافًا، أو تهجيرًا، أو تعذيبًا، أو ثبت أنه أمر بها، أو علم بها وتغاضى عنها، أو وفّر لها غطاءً قياديًا أو حماية لاحقة، فلا ينبغي أن ينجو من المساءلة لمجرد أنه أصبح في صف الدولة أو سلّم سلاحه.
وهنا تكون القاعدة الحاسمة: الاستيعاب لا ينبغي أن يكون غسلًا للسجل، بل وضعًا مؤقتًا تحت رقابة الدولة إلى حين اكتمال الفرز القانوني.
فالاستسلام قد يوقف خطرًا عسكريًا مباشرًا، لكنه لا يمحو ذاكرة الجريمة. وقد يفتح بابًا لتفكيك الميليشيا، لكنه لا ينبغي أن يغلق باب العدالة. وبين الأمرين، تحتاج الدولة إلى عقل مؤسسي يفرّق بين من يمكن إدخاله في مسار أمني منضبط، ومن ينبغي أن يبقى في مسار جنائي مفتوح.
*ثالثًا: تجارب عالمية: الإدماج لا يعني إسقاط العدالة*
لا يقتصر سؤال استيعاب المقاتلين السابقين على السودان وحده. فقد واجهت دول كثيرة، بعد حروب أهلية أو أنظمة عنف مسلح، المعضلة ذاتها: كيف تُفكك القوة المعادية؟ كيف تُعيد احتكار السلاح إلى الدولة؟ وكيف تمنع أن يتحول الإدماج إلى عفو مفتوح أو إفلات من المساءلة؟
هذه التجارب لا تُنقل حرفيًا من بلد إلى آخر، فلكل دولة سياقها وطبيعة حربها وتركيبتها الاجتماعية وحجم انتهاكاتها. لكنها تكشف قاعدة عامة: الإدماج قد يكون أداة لبناء الدولة بعد الحرب، لكنه يصبح خطرًا إذا انفصل عن الفرز والمحاسبة والرقابة.
*جنوب أفريقيا: إعادة هندسة مؤسسة القوة*
بعد نهاية نظام الفصل العنصري، لم يكن الإدماج في جنوب أفريقيا مجرد استيعاب لمقاتلين سابقين، بل جزءًا من إعادة هندسة مؤسسة القوة داخل الدولة الجديدة. فلم تُبنَ جنوب أفريقيا الجديدة على الإقصاء الكامل لكل القوى المسلحة السابقة، بل أُنشئت قوة دفاع وطنية موحدة عبر دمج القوات النظامية السابقة مع أجنحة مسلحة كانت تقاتل النظام، ومنها الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي، إلى جانب تشكيلات أخرى ارتبطت بقوى سياسية مختلفة.
لم يكن الدرس الأهم في هذه التجربة أن الإدماج كان مفتوحًا بلا قيود، بل أن الدولة الجديدة احتاجت إلى إعادة ترتيب مؤسسة القوة حتى لا تبقى الجيوش والميليشيات السابقة خارج سلطة الدولة. كان الإدماج جزءًا من مشروع تأسيسي لبناء نظام جديد، لا مجرد مكافأة للمقاتلين السابقين أو صفقة ولاءات عابرة.
ومن هنا، تُظهر جنوب أفريقيا أن استيعاب الخصوم السابقين قد يكون وسيلة لبناء دولة ما بعد الحرب، لكنه لا ينجح إلا إذا تم داخل مشروع مؤسسي واضح، وتحت سلطة الدولة، وضمن رؤية وطنية تمنع عودة السلاح إلى خارجها.
*نيبال: إدماج محدود بعد فرز طويل*
في نيبال، بعد انتهاء الحرب الأهلية بين الدولة والماويين، لم يتم دمج كل مقاتلي الحركة الماوية في الجيش. فقد خضع المقاتلون لعملية تحقق وفرز، وأُعطوا خيارات بين الاندماج في الجيش، أو التقاعد الطوعي، أو إعادة التأهيل. وفي النهاية، لم يدخل المؤسسة العسكرية إلا عدد محدود من المقاتلين السابقين، بعد عملية طويلة من التقييم والتصنيف.
هذا المثال مهم لأنه يثبت أن الإدماج، عندما يكون منضبطًا، ليس بابًا مفتوحًا لكل من حمل السلاح، بل عملية انتقائية تمر عبر التحقق، والتصنيف، والاختيار، والتدريب، وتحديد الرتب، وربط العودة إلى المؤسسة العسكرية بشروط واضحة. فالاستيعاب لا يكون خطرًا حين يكون محدودًا ومشروطًا وخاضعًا للفحص؛ لكنه يصبح خطرًا حين يتحول إلى عبور جماعي بلا تدقيق، أو حين يدخل المستسلم إلى المؤسسة كأن تاريخه بدأ من يوم استسلامه.
في التجربة النيبالية، لم يكن الاستيعاب قرارًا عاطفيًا أو سياسيًا عامًا، بل عملية فرز دقيقة. لم يدخل كل المقاتلين السابقين إلى الجيش، ولم تُمحَ مواقعهم السابقة بمجرد توقيع السلام. وهذا ما تحتاجه أي دولة خارجة من الحرب: ألا تجعل العودة إلى المؤسسة العسكرية بديلًا عن الفحص، وألا تجعل الاستسلام معادلًا للبراءة.
*كولومبيا: العودة تحت سقف العدالة الانتقالية*
في كولومبيا، وبعد اتفاق السلام مع حركة فارك المتمردة عام 2016، اختارت الدولة مسارًا أكثر تعقيدًا. فقد فتحت الباب لإعادة إدماج المقاتلين السابقين في الحياة المدنية والسياسية، لكنها ربطت ذلك بنظام للعدالة الانتقالية يقوم على الحقيقة، والاعتراف، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار.
أهمية التجربة الكولومبية أنها لم تجعل السلام مرادفًا للنسيان. فمن أراد الاستفادة من مسار السلام كان عليه أن يشارك في كشف الحقيقة، والاعتراف، وجبر الضرر، لا أن يختبئ خلف التسوية.
وهذا النموذج يقدّم درسًا واضحًا: لا يكفي أن تُفتح أبواب العودة للمقاتلين السابقين؛ بل يجب أن ترتبط العودة بالحقيقة والتعويض ومحاسبة من ارتكبوا الجرائم الكبرى. فالمصالحة التي لا تكشف الحقيقة قد تُسكت السلاح مؤقتًا، لكنها تترك الجرح مفتوحًا في ذاكرة الضحايا.
*رواندا: التفريق بين المقاتل السابق والمتورط في الإبادة*
تجربة رواندا، رغم خصوصيتها وفظاعتها، تقدم درسًا شديد الأهمية. فبعد الإبادة الجماعية عام 1994، لم تتعامل الدولة مع كل من كان في صف العدو بالطريقة نفسها، بل فرّقت بين مستويات المسؤولية: بين من يمكن إدخاله في مسارات نزع السلاح وإعادة الإدماج، وبين من ينبغي أن يبقى في مسار المحاسبة بوصفه قائدًا أو محرضًا أو متورطًا في الإبادة والجرائم الجسيمة. ولهذا أنشأت مسارات متعددة، من بينها محكمة دولية للقيادات الكبرى، ومحاكم محلية واسعة للتعامل مع العدد الهائل من المتهمين، وبرامج لإعادة إدماج بعض المقاتلين السابقين.
في رواندا، كان الدرس أكثر قسوة ووضوحًا: لا يمكن بناء الدولة بعد الإبادة بمجرد استيعاب من حملوا السلاح، ولا يمكن إنصاف الضحايا بمجرد إعلان المصالحة. فالإدماج لا يكون بديلًا عن المحاسبة، والمصالحة لا تكون غطاءً لإسقاط المسؤولية، والدولة التي تسعى إلى إعادة بناء نفسها لا تستطيع أن تساوي بين المقاتل السابق ومن تورط في الجرائم الكبرى.
*رابعًا: الخلاصة المقارنة*
هذه التجارب تقول شيئًا واحدًا: الإدماج ليس خطأ في ذاته؛ الخطر في الإدماج بلا آلية.
في جنوب أفريقيا، كان الإدماج جزءًا من إعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة. وفي نيبال، كان محدودًا وخاضعًا للفرز والتحقق. وفي كولومبيا، ارتبط بعدالة انتقالية تسعى إلى الحقيقة وجبر الضرر وعدم التكرار. وفي رواندا، جرى التفريق بين من يمكن إعادة إدماجه ومن يجب أن يخضع للمساءلة عن الجرائم الكبرى.
أما الدرس الذي يخص السودان، فهو أن استيعاب بعض المستسلمين قد يكون ضرورة عسكرية لتفكيك الميليشيا وتسريع نهاية الحرب، لكنه لا يصبح مشروعًا إلا إذا ارتبط بفرز قانوني واضح. فالدولة التي تفتح باب العودة يجب أن تفتح معه باب التحقق، والتوثيق، والتحقيق، والمساءلة.
تجارب العالم لا تقول إن الدولة يجب أن تغلق الباب أمام كل مستسلم، لكنها تقول إن فتح الباب بلا شروط قد يحوّل الاستيعاب من أداة لتفكيك الحرب إلى وسيلة لإعادة تدوير العنف داخل جسد الدولة.
*خاتمة الجزء الأول: من منطق الاستيعاب إلى سؤال العدالة*
لا يمكن قراءة استيعاب بعض المستسلمين بمعزل عن ظروف الحرب. فقد يكون ذلك ضرورة عسكرية لشق صفوف الميليشيا، وسحب السلاح والخبرة والقدرة التنظيمية من يدها، وتسريع عودة الدولة. لكن الضرورة لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة، والاستسلام لا ينبغي أن يتحول إلى براءة، والاستيعاب لا ينبغي أن يصبح غسلًا للسجل.
لذلك، لا يكون السؤال الحقيقي: هل يجوز للدولة أن تستوعب بعض المستسلمين أم لا؟ بل: كيف يجري هذا الاستيعاب؟ وبأي شروط؟ وتحت أي رقابة؟ ومن يفرز بين المقاتل والجاني؟ ومن يضمن أن الاستسلام لن يصبح طريقًا مختصرًا إلى النجاة من العدالة؟
وهنا يبدأ سؤال الجزء الثاني: إذا كانت الدولة تقول إنها لم تعفُ عن الحق الخاص، فهل يكفي هذا القول؟ أم أن الحق الخاص يحتاج إلى آلية واضحة تحمي الضحايا، وتوثّق الانتهاكات، وتحفظ الشهود، وتمنع أن يتحول الاستيعاب إلى حصانة واقعية لمن اعتدى على المدنيين؟



