بنية الطاقة في السودان: صراع الإعمار وتحديات التمويل والسياسات

تقرير: أمين محمد الأمين 

​تفتح العودة التدريجية لتأهيل البنيات التحتية النفطية في السودان باباً واسعاً للجدل حول جدوى الإنشاءات الجديدة في ظل استمرار الحرب، ومدى قدرة الدولة على استعادة سيادتها على سوق الوقود المنفلت. فبينما ترى الحكومة في إعادة بناء المستودعات الاستراتيجية خطوة لكسر شوكة الندرة وتأمين “معاش الناس”، يرى خبراء ومحللون أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في سعات التخزين فحسب، بل في السياسات الاقتصادية والتمويلية التي تدير هذا القطاع الحيوي.

 

*جولة تفقدية*

وكان وزير الطاقة والنفط، المهندس المعتصم إبراهيم، قد أعلن خلال جولة تفقدية لمستودعات بورتسودان الاستراتيجية، عن عزم الوزارة إعادة إعمار المنشآت التي دمرتها الحرب، مؤكداً أن العمل جارٍ لتأهيل مستودعات غاز الطبخ والبنزين والجازولين. ودعا الوزير القطاع الخاص للدخول كشريك استراتيجي في عمليات الاستيراد والتشييد، لبناء مخزون وطني يقي البلاد صدمات الأسعار ويؤمن سلاسل الإمداد ضد المخاطر الطارئة.

 

*​رؤية فنية*

وفي قراءته لهذه الخطوة ​أكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير أن استعادة السعات التخزينية الكبيرة تمثل ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار وتفادي أزمات الندرة التي ترفع تكاليف النقل والمعيشة. ويشدد على ضرورة توفير أوعية تخزين متكاملة في ولايات السودان الـ 18، بحيث لا تقتصر على المواد البترولية فحسب، بل تمتد لتشمل صوامع الغلال لتأمين الحبوب، والتخزين المبرد لحفظ الإنتاج الوفير، مؤكداً أن التوزيع الجغرافي للمخزون يضمن استدامة الإمداد بعيداً عن المركزية.

 

*​عوائد استراتيجية*

وفي هذا السياق، أوضح الناير أن الأهمية الاقتصادية لهذه السعات تتجلى في تمكين الدولة من استيراد المحروقات والسلع وقت انخفاض الأسعار العالمية وتخزينها بكميات ضخمة، مما يضمن طرحها للمستهلك بأسعار مستقرة ويحمي السوق من التقلبات المفاجئة. كما أشار إلى أن وجود مخزون استراتيجي يغطي من 4 إلى 6 أشهر يمنح الدولة مرونة عالية في ترتيب أوضاعها لمواجهة أي تعقيدات طارئة قد تصيب سلاسل الإمداد العالمية كإغلاق مضيق هرمز.

 

*​شراكات تمويلية*

أما فيما يخص إعادة الإعمار، فقد لفت الناير إلى وجود قانون للشراكة بين القطاعين العام والخاص يتيح تمويل مشروعات البنية التحتية المكلفة عبر نظام “البناء والتشغيل ونقل الملكية” المعروف عالمياً بنظام (B.O.T). مبيناً أن هذا النظام يمثل فرصة لجذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، واستنفار الصناديق السيادية لدول كالسعودية وقطر والكويت وتركيا والصين وروسيا، للمساهمة في بناء مطارات وطرق وسعات تخزينية حديثة تواكب حاجة البلاد بعد الحرب.

 

*​مسؤولية الدولة*

وفي ذات المنحى، انتقد الناير غياب الدور المباشر للدولة عن استيراد المشتقات النفطية، معتبراً أن تولي الدولة لهذه المهمة كسلعة استراتيجية كان كفيلاً بخفض الأسعار بنسبة 25% على الأقل. وحيث أكد أن على الحكومة التنازل عن جزء من الضرائب والرسوم، والضغط لتقليص هوامش ربح الشركات، لضمان استقرار تكاليف الإنتاج والخدمات.

 

*​فرص إقليمية*

وخلص الناير في رؤيته إلى ضرورة استثمار التهديدات الإقليمية في مضيق هرمز وتحويلها إلى مكاسب اقتصادية، عبر تفعيل الموانئ السودانية وربطها بميناء ينبع السعودي وقناة السويس. مشيراً إلى أن هذا التوجه من شأنه أن يجعل السودان محوراً حيوياً في سلاسل الإمداد الدولية نحو البحر الأبيض المتوسط، مما يعزز من موقعه في التجارة العالمية.

 

*وفرة وتحوط*

من جانبه ​ابتدر عضو اللجنة المركزية بالحزب الشيوعي، كمال كرار، حديثه بالإشارة إلى أن البنيات التحتية والسعات التخزينية الكبرى كانت متوفرة بالفعل في بورتسودان والجيلي وود مدني وغيرها من المدن قبل أن تطالها يد الدمار جراء الحرب. وأكد كرار أن قطاع البترول يستوجب بالضرورة وجود مثل هذه المنشآت لضمان الوفرة والتحوط للأزمات، مبيناً أن هذا النوع من المشروعات يقع ضمن مسؤوليات الدولة الأصيلة ولا يضطلع به القطاع الخاص عادةً؛ نظراً لارتباطه بالتخزين الاستراتيجي وتكلفته الرأسمالية العالية.

 

*​تمويل مفقود*

وفي ذات السياق، تساءل كرار عن قدرة الحكومة على تمويل مثل هذه المشروعات الضخمة في ظل استمرار الحرب والتهديدات الأمنية، لافتاً إلى استحالة الحصول على تمويل خارجي في الظرف الراهن. كما أثار تساؤلاً جوهرياً حول كيفية تأمين إمداد منتظم للمواد البترولية في ظل هذه التعقيدات، معتبراً أن تشييد المستودعات وحده لن يحل الأزمة ما لم يصاحبه استقرار في التدفقات.

 

*​دوامة الأسعار*

أما فيما يخص استقرار سوق الوقود، فقد أوضح كرار أن المستودعات في ظل السياسات الاقتصادية الراهنة لن تساهم كثيراً في استقرار الأسعار أو معالجة الندرة؛ حيث أن التسعير يظل خاضعاً لشروط الموردين وتقلبات سعر صرف الجنيه، فضلاً عن ارتباط الندرة بشح العملات الأجنبية. وشدد على أن الحل الحقيقي يكمن في استقرار سعر الصرف، والعودة لنظام الاستيراد الحكومي عبر الاتفاقيات الثنائية، لإنهاء ما وصفها بـ “الدورة الخبيثة” للارتفاع المستمر في أسعار الطاقة.

 

*​سيطرة الشركات*

وبحسب رؤيته، فقد انتقد كرار تحكم الشركات في قطاع الوقود منذ الفترة الانتقالية تحت مسمى “التحرير”، مبيناً أن القطاع الخاص يستأثر بنصيب الأسد في الاستيراد لكنه يحجم عن الاستثمار في تشييد المستودعات باعتبارها شأناً حكومياً، خاصة مع تزايد المخاطر الجسيمة الناتجة عن الحرب. ولفت إلى أن فرص التمويل الأجنبي تبدو منعدمة، محذراً من لجوء الحكومة لجهات قد تستغل الظرف الراهن لفرض نظام “المقايضة” مقابل أراضٍ زراعية أو قواعد عسكرية، رغم ضعف هذه الاحتمالات.

 

*​ضمانات دولية*

وخلص كرار إلى أن فرص الإعمار والتمويل الحقيقية تظل معلقة إلى ما بعد انتهاء الحرب، مشيراً إلى أن الأمر يتطلب وجود وضع سياسي يحظى بقبول محلي ودولي، ويكون قادراً على إدارة تنفيذ خطة شاملة لإعادة الإعمار مدعومة بضمانات دولية كافية لتحقيق النهوض الاقتصادي المنشود.

 

*خطوة منقوصة*

يبقى الرهان الحكومي على “البناء الفيزيائي” للمنشآت النفطية خطوة منقوصة ما لم تقترن بإصلاحات هيكلية تضمن عدم تسرب فوائد هذا الإعمار إلى جيوب الشركات الكبرى على حساب القوة الشرائية للمواطن الكادح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى