تفكك النسيج الاجتماعي.. الخطر الذي يهدد السودان بعد الحرب

بقلم/ اسماعيل شريف
لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل تجاوزت آثارها حدود الدمار المادي إلى تهديد واحد من أهم مقومات بقاء الدولة واستقرارها، وهو النسيج الاجتماعي. والحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها بشجاعة أن هذا التفكك لم يكن وليد اللحظة، وإنما هو نتيجة تراكمات طويلة من الإهمال والصراعات وخطابات الكراهية، فضلاً عن التدخلات الخارجية التي وجدت في هشاشة المجتمع السوداني مدخلاً لتحقيق أهدافها.
لقد شهدت البلاد، منذ سنوات الحرب الأهلية في دارفور، مؤشرات خطيرة على اتساع الفجوة بين مكونات المجتمع. يومها حذر كثير من الباحثين والمهتمين، بل وحتى بعض العاملين في الأجهزة المختصة، من خطورة ترك هذه الجراح دون معالجة حقيقية، غير أن تلك التحذيرات لم تجد الاهتمام الكافي، فتفاقمت الأزمة حتى تمددت آثارها إلى معظم أنحاء السودان.
ولا يمكن إغفال الدور الذي لعبته بعض الجهات المعادية عبر أذرعها الإعلامية والاستخباراتية في إذكاء نار الفتنة بين مكونات المجتمع السوداني، مستغلة حالة الاحتقان وضعف الخطاب الوطني الجامع، الأمر الذي ساهم في تسريع الانقسام وزرع الشكوك والكراهية بين أبناء الوطن الواحد.
اليوم، وبعد أن وصلت البلاد إلى هذه المرحلة الحرجة، لم يعد من المقبول التعامل مع قضية التماسك الاجتماعي باعتبارها ملفاً ثانوياً أو مؤجلاً إلى ما بعد الحرب. فالحروب تنتهي عادة باتفاقات سياسية أو ترتيبات أمنية، لكن المجتمعات المنقسمة تظل عرضة للانفجار في أي لحظة إذا لم تتم معالجة جذور الأزمة الفكرية والاجتماعية.
ومن المؤسف أن البعض ما يزال ينظر بعين الريبة إلى كل محاولة لإعادة دمج العائدين من التمرد أو الذين قرروا نبذ العنف والانخراط مجدداً في صفوف الوطن. بينما تتطلب الحكمة الوطنية فتح أبواب المعالجة والمصالحة وفق أسس عادلة تحفظ الحقوق وتمنع تكرار المأساة، لأن استمرار الإقصاء سيقود إلى إنتاج أزمات جديدة وربما حروب أخرى.
إن مسؤولية رتق هذا النسيج المتشقق لا تقع على الدولة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تعبئة واسعة للمجتمع بكل مكوناته. فالمطلوب اليوم إشراك المفكرين وأساتذة الجامعات وعلماء الدين والأئمة ومشايخ الطرق الصوفية وزعماء العشائر والعمد والنظار ومنظمات المجتمع المدني، لوضع مشروع وطني متكامل يعيد بناء الثقة بين الناس ويواجه خطاب الكراهية والتفرقة.
كما أن وسائل الإعلام مطالبة بدور أكثر وعياً ومسؤولية في تعزيز قيم التسامح والتعايش، بدلاً من الانجرار وراء الاستقطاب والتحريض الذي ساهم في تعميق الأزمة خلال سنوات الحرب.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول بعد الحروب ليس فقط الخراب الاقتصادي أو ضعف البنية التحتية، وإنما انهيار الروابط الاجتماعية التي تحفظ وحدة المجتمع. ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية في المرحلة المقبلة ستكون معركة استعادة الإنسان السوداني لقيم التعايش والتسامح وقبول الآخر.
فإذا نجح السودانيون في تجاوز هذه الأزمة الاجتماعية، فإن فرص السلام والاستقرار ستصبح أكثر واقعية. أما إذا تُرك هذا الداء ليستشري دون علاج، فإن الوطن سيظل مهدداً حتى وإن توقفت أصوات البنادق.



