المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: مضيق هرمز والأمر الواقع

توازنات الردع العسكري.. ومقايضات الدبلوماسية الخلفية، ومستقبل الاستقرار الإقليمي
هل تنجح الدبلوماسية الإجرائية في تفكيك العقد الهيكلية بين واشنطن وطهران ؟
كيف تعيد القوى الإقليمية والدولية صياغة أوراق القوة في الخليج
جبهات الشام وإعادة هيكلة أولويات الايديلوجيا و الصراع الوجودي لإيران ؟
يتصدر مضيق هرمز واجهة المشهد الدولي كترمومتر حارق يقيس مدى النفوذ العسكري الأمريكي في مواجهة الجغرافيا السياسية الإيرانية؛ إذ لم تعد التحركات البحرية في الخليج العربي مجرد مناورات ردع تقليدية، وتنذر الوقائع الميدانية بمواجهة حربية يومية مفتوحة ومحمومة. فمن جهة، تنفذ إدارة الرئيس دونالد ترامب ما يُعرف بـ “مشروع الحرية” (Project Freedom)، وهو عملية عسكرية واسعة تهدف إلى كسر الحصار البحري وتأمين عبور مئات السفن التجارية العالقة، عبر حشد بحري هو الأضخم منذ غزو العراق، متمثلاً في تسيير المدمرات الصاروخية وثلاث مجموعات قتالية لحاملات الطائرات مثل (USS Abraham Lincoln) و(USS George H.W. Bush). ومن جهة أخرى، يرى صانع القرار في طهران أن المضيق يمثل “ساحة المناورة الأولى والأخيرة”، متسلحاً برؤية دوغمائية تعتبر الممر مياهاً إقليمية خاضعة لبروتوكولات سيادتها، تبيح لها عسكرة الجغرافيا رداً على عسكرة النظم المالية والاقتصادية التي تمارسها واشنطن ضدها منذ عقود. هذا التلاطم بين الرغبة الأمريكية في فرض حرية الملاحة الدولية، والإصرار الإيراني على فرض معادلة “المرور المشروط” واستيفاء رسوم خدمات أو بيئية التواءً على القوانين البحرية، يضع المنطقة بأسرها على حافة انفجار حتمي ما لم تفلح القنوات الخلفية في لجم هذا التصعيد الميداني.
تحت غطاء هذا الحشد العسكري الهائل، تدور في الكواليس دبلوماسية “حافة الهاوية” عبر قنوات اتصال إجرائية غير مباشرة تقودها باكستان، فضلاً عن الفرق الفنية التي لم تتوقف عن تبادل الرسائل حتى أثناء زيارة ترامب التاريخية إلى بكين. وتتبدى معضلة التفاوض الحالية في التباين الجذري بين أولويات الطرفين وسقوفهما المرتفعة؛ فالرئيس الأمريكي، الذي انطلق من مبدأ “صفر تخصيب”، أبدى مرونة تكتيكية مفاجئة بإعلانه القبول بتعطيل التخصيب الإيراني لمدة 20 عاماً بشرط أن يكون النظام صارماً وقابلاً للتحقق الدولي، واضعاً عينه على انتزاع الـ 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60% لضمان تجريد طهران من قدرتها على إنتاج قنبلة نووية. وفي المقابل، تمارس إيران استراتيجية “قنابل الدخان” عبر إطلاق تصريحات متناقضة وقوانين برلمانية متشددة للتراجع عنها لاحقاً دون البدء بمظهر المتنازل، حيث تشترط إنهاء الحرب الاقتصادية والعسكرية ورفع العقوبات وفتح المضيق كحزمة واحدة متزامنة قبل الانخراط في تفاصيل الملف النووي، مما يجعل المسار الدبلوماسي الراهن يدور في حلقة مفرغة بين اشتراطات واشنطن التقنية ومطالب طهران الهيكلية.
تمثل بكين الشريان الاقتصادي الحيوي لإيران والمشهد التفاوضي الأبرز لترامب، حيث أفرزت “قمة بكين” وضوحاً نسبياً في الرؤية الدولية للأزمة؛ فالصين، التي يمر نصف نفطها عبر مضيق هرمز، ترفض تماماً عسكرة الممر أو فرض رسوم أحادية عليه، وضغطت على طهران لخفض شروطها وحثها على إبداء مرونة تحت سقف القانون الدولي، وهو ما تجلى في تسريبات وكالة “فارس” حول قصر دور إيران على تقديم خدمات الصيانة والسفن. ومع ذلك، رفضت بكين التخلي الكامل عن حليفتها طهران، مما دفع ترامب للمساومة برفع العقوبات عن الشركات الصينية مقابل ممارسة ضغط أكبر على طهران. المفارقة التاريخية هنا تكمن في أن واشنطن قد لا تكون متضررة بشكل مباشر من إغلاق المضيق، وتجد الشركات الأمريكية فائدة استثمارية واقتصادية من سد فجوات الطلب العالمي، مما يحول الأزمة برمتها إلى سوق للمقايضة؛ حيث تسعى واشنطن لمقايضة الأموال الإيرانية المجمدة باليورانيوم عالي التخصيب، بينما تسعى بكين وإسلام آباد لتحويل الوساطة الباكستانية من مجرد وساطة إجرائية لنقل الرسائل إلى وساطة وظيفية قادرة على ابتكار حلول تدمج الشروط المتبادلة وتمنع انزلاق الاقتصاد العالمي نحو ركود تدميري تخشاه عواصم الغرب والشرق على حد سواء.
تعيش إيران وأذرعها الإقليمية، لا سيما حزب الله في لبنان، حالة من الاستشعار بالخطر الوجودي الذي يهدد مشروع “الوجود الشيعي السياسي” في الشرق الأوسط، وهو ما دفع طهران إلى إعادة هيكلة المشهد التفاوضى عبر الربط العضوي بين ملفها النووي ومصير جبهاتها الإقليمية، معتبرة أنها وحلفاءها في قارب واحد ضد استراتيجية “الردع العقابي النكبوي”. وفي هذا السياق، يبرز على الطاولة التحليلية “النموذج الليبي” ككابوس يؤرق طهران وتتمناه تل أبيب؛ وهو النموذج القائم على سحب القدرات النووية وتفكيكها بالكامل عبر الدبلوماسية، ثم الانقضاض على النظام وضربه عسكرياً لاحقاً بعد تجريده من أوراق قوته. وتدرك إيران هذا المخطط جيداً، ولذلك ترفض حصر التفاوض في الجزئية النووية دون الحصول على أثمان استراتيجية كبرى تشمل إعادة الإعمار وتعويض خسائر البنية التحتية التي تجاوزت 300 مليار دولار، فضلاً عن ضمان استمرارية النظام كنظام سياسي، معتبرة أن أي اتفاق لا يتضمن رفعاً فورياً للحرب الاقتصادية والعقوبات هو انتحار سياسي داخلي لن يقدمه أهل الحل والعقد في طهران لجمهورهم وقاعدتهم السياسية.
على الجانب الآخر من المشهد، تعيد إسرائيل تعريف مفهوم “وقف إطلاق النار” على الأرض في لبنان وقطاع غزة مستغلة الانشغال الدولي بملف هرمز، حيث تبنت حكومة بنيامين نتنياهو عقب أحداث السابع من أكتوبر سياسة واضحة وحاسمة تقوم على “تصفير الأعداء” واقتلاع جذورهم العسكرية عوضاً عن القبول بالتهدئة. وتتجلى هذه الاستراتيجية في الفصل المتعمد بين الدولة اللبنانية وحزب الله؛ إذ ترى إسرائيل أن اتفاق وقف إطلاق النار المجدد برعاية أمريكية هو التزام مع الدولة اللبنانية فقط، مما يمنحها وفق تقديرها الأمني الحق في مواصلة غاراتها واستهداف بنية الحزب العسكرية وتعميق احتلالها لجنوب لبنان شرقي الخط الأصفر، دون ربط المسار السياسي بالانسحاب الفوري. وتهدف إسرائيل من وراء رفع الأثمان الإنسانية والاقتصادية الباهظة في لبنان، واشتراط نزع سلاح الحزب كلياً عبر آليات ميكانيكية وأمنية جديدة يقودها الجيش اللبناني برعاية البنتاغون، إلى إحداث شرخ مجتمعي وسياسي داخلي يفضي إلى عزل الحزب أو دفعه نحو مستنقع حرب أهلية تفككه من الداخل، مستغلة في ذلك نافذة الدعم الأمريكي المطلق لإنهاء أي تهديد ميليشياوي قد يعيق المشاريع الجيوسياسية الكبرى مثل مشروع الممر الكبير المتجه نحو ميناء حيفا.
تتأرجح المنطقة في المدى المنظور بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية ترسم ملامح ما سيكون؛ يمثل *السيناريو الأول* ، وهو الأرجح حالياً، استمرار ستاتيكو الحرب المحدودة والاستنزاف المتبادل، حيث تحافظ الولايات المتحدة على وتيرة عمليات مشروع الحرية لحماية الناقلات، وتواصل إيران حرب العصابات البحرية واستخدام المسيرات لرفع كلفة الوجود الأمريكي، مع إبقاء ممرات التفاوض الخلفية مفتوحة ومتحفزة. أما *السيناريو الثاني* فيتمثل في الانفجار الشامل نتيجة أي خطأ في الحسابات الميدانية، كإغراق مدمرة أمريكية أو استهداف منشأة نفطية حيوية، مما سيؤدي إلى إغلاق كامل للمضيق وقفرة جنونية في أسعار الطاقة العالمية واشتعال الجبهات كافة. في المقابل، يبرز *السيناريو الثالث* كصفقة مفاجئة تولد من رحم التصعيد؛ إذ يعلمنا التاريخ أن أشد اللحظات عتمة وتصعيداً في عهد ترامب غالباً ما تكون غطاءً تكتيكياً لإجبار الخصوم على الجلوس إلى الطاولة. وتكمن الخلاصة الاستشرافية في أن التفاوض سينتهي حتماً باتفاق إطاري مرحلي يقضي بفتح المضيق وضمان الملاحة الدولية، مقابل تراجع أمريكي جزئي عن العقوبات النفطية وسحب اليورانيوم عالي التخصيب، وتنتقل المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران وأذرعها إلى أنماط وأدوات وصراعات أخرى أشد تعقيداً على رقعة الشطرنج الإقليمية.



