تصفية الخدمة المدنية.. “كآبة” القرار و”سوء المنقلب”

ملح الأرض

بقلم : خالد ماسا 

لم يكن مفاجئًا صدور القرار رقم “٢٢” لسنة ٢٠٢٦م عن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، والخاص بتشكيل “لجنة” وصف القرار طبيعتها بالفنية لإنجاز أربعة مهام حددها القرار بصلاحيات مذكورة في نص القرار، استنادًا لصلاحيات رئيس الوزراء.

نتناول هذا القرار وليس بعيدًا عن السياق الذي صدر فيه، وإن كان في طبيعته العامة لا يختلف كثيرًا عن “٢١” قرارًا في هذا العام تقول بأن الحكومة تعيش في “عالم موازٍ” لا تستوعب فيه الاحتياج الحقيقي لشعب عاش ولا يزال يعيش ويلات الحرب وارتداداتها الاقتصادية، دون أن يكون للأمل مكان في القرارات الصادرة التي تشير إلى أن الهم الرسمي بعيد تمامًا عن نبض الشارع وعن شواغله في المعاش اليومي.

السياق الذي يخرج فيه مثل هذا القرار هو سياق “العجز” الذي لا تستطيع أن تتستر عليه الحكومة، وأنها لم تستطع استعادة دوران دولاب العمل بكامل طاقته، والانهيار الكامل هو سيد الموقف في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء، وسياسات حكومية لا تعبر إلا عن ضعف بائن في التفكير الذي لا يتجاوز فكرة تمويل ميزانية الحكومة من جيب المواطنين.

(*) تفكيك نص القرار ..

والسياق الذي أشرنا إليه أعلاه يقودنا للسؤال عند قراءة النص المنشور: هل نحن أمام عملية إصلاح إداري تقوم بها الحكومة السودانية، وأن للحكومة “رؤية” وخطة حقيقية لاستعادة صحة وسلامة الخدمة المدنية؟ أم أنها حالة تعبر عن الضائقة المالية التي تعانيها الحكومة، و”نص” القرار وإن استخدمت فيه لغة أقرب للأكاديمية “ناعمة” و”مطاطة” وحمالة أوجه، لكنها تقود إلى حقيقة “قاسية” عند قراءة ثنائيات اللغة التي احتواها القرار عندما قال: “حصر العاملين” و”خفض العاملين”، وجاء ذكر شروط المعاش المبكر، وتهربت لغة القرار من التسميات الواضحة والتي تبدأ من أعلى هيكلة الخدمة المدنية نزولًا للتسريح والإحالة القسرية للمعاش، وهذا الأسلوب ما هو إلا “التفاف” لغوي تريد الحكومة به ألا تتحمل فيه تبعات انتقاد القرار.

تحدث القرار أولًا عن مهمة اللجنة في حصر العاملين بالحكومة الاتحادية، وهذا التكليف بالذات يفضح القرار الحكومي ويفضح حالة “الغش” في الموازنة، والتي كنا نعتقد بأن المنطق يقول بأن البند الأول فيها “الرواتب والأجور” قد تم بناؤه وإعداده على “حصر” حقيقي للقوى البشرية العاملة في القطاع الحكومي ومعلومات “مضبوطة” وليست “مقطوعة من الرأس”.

تفشل الحكومة في أداء واجب البند الأول في الموازنة “الرواتب والأجور”، لأن القرار يؤكد بأنها لم تقم على أرقام حقيقية، وأن الحكومة تعترف بقرارها هذا بأنه ليست لديها معلومات في حدها الأدنى عن من تم استدعاؤه للخدمة، ومن الذي ترك الجمل الحكومي بما حمل واتجه لسوق “قدح النبي”.

المواجهات التي عرفتها وزارة المالية مع قطاعات كثيرة في الدولة حول موضوع الرواتب والأجور دفعت “عبقرية” سمكرجية القرار الحكومي لإصدار هذا القرار كعقوبة لكل من اصطف إلى جانب مطالبة الحكومة بمعالجة ملف الرواتب والأجور، وقررت، وتحت غطاء هذا القرار، التخلص من العاملين الذين ترى بأنهم صاروا يشكلون عبئًا على خزانة الدولة، وبحسب الممارسة المرئية للأداء الحكومي في الخدمات فهي ليست في حاجة للكادر الحكومي أكثر من متحصلي “الضرائب” و”الأتاوات” والمتربصين بمصالح المواطن في الأسواق والطرقات، وهذا الكادر بالضرورة لا يحتاج لأي مؤهلات، فهو محروس بقوة العضل السلطوي القوي في التحصيل والغائب في الخدمات.

المهمة الثانية المذكورة في نص القرار للجنة التخلص من العاملين، وهذا هو التوصيف الذي كان من الواجب أن يخرج به القرار، وهي “حصر العاملين الذين لا تنطبق عليهم شروط المعاش المبكر”، ومن يعرف الحال الذي يعيشه “المعاشيون” الآن قبل وبعد الحرب، وهوانهم عند الحكومة، سيعرف أي مصير سينتظر آخرين عرفت الدولة كيف تكافئ بذلهم وعطاءهم لسنوات أكلت فيها الخدمة المدنية “اللحم” ورمتهم “العظم”، يسألون صندوق المعاشات والتأمينات الاجتماعية: أعطوهم أو منعوهم، مع أن الوحدتين الحكوميتين المذكورتين تعتبران من “أغنى” المؤسسات الحكومية جنوب خط الاستواء، وغولًا للاستثمار العقاري يتمتع مديروها، كتلك المذكورة في قرار التكليف للجنة “مدير عام الصندوق الوطني للمعاشات والتأمينات الاجتماعية”، والتي لا تعرف الآن شيئًا عن موظفيها وأحوالهم، ولا عن المكاتب التي كان من المفترض أن تكون نوافذ لصرف استحقاقات المعاشيين، بينما تسرح هي ومستشاروها وكادر التزلف في الصندوق في نعيم “الحوافز” والبدلات المليارية.

بقرارها هذا تريد الحكومة أن تتخلص من العاملين بفتات المعاشات والتأمينات.

نص القرار الصادر بتكوين لجنة يؤكد بأن الأمر ليست وراءه أي “فكرة”، وما ذكر في رقم “٣” من تكاليف “وضع تصور لتقليص عدد العاملين” يؤكد بأن اللجنة تعمل لتنفيذ توجيه حكومي، وليس لديها مساحات لتجيب على أسئلة من نوعية: هل المتوفر الآن من الكادر الحكومي كافٍ لأداء وإنجاز مسؤولياته؟ ومن يتحمل مسؤولية “التكدس” و”الحشو” في هياكل الخدمة المدنية، وبالتالي تحميل موازنة الدولة ما لا طاقة لها به؟ وما هو ذنب موازنة الدولة لتتحمل عبء إحالتهم للمعاش؟

نحن كنا في حاجة بالأساس لقرار بتخفيض العبء الناتج عن الوزن الزائد لتكاليف كبار الموظفين “بما فيهم كل المذكورين في قرار التكليف” على موازنة الدولة، لأن الدولة وما تعانيه الآن في مفاصل موازنتها وفقر الحلول هو نتاج طبيعي للقصور الواضح في أداء هذا “الصنف” من الوظائف العليا في هياكل الخدمة المدنية.

لن يعترف أي من المذكورين في قرار التكليف، عندما يذهب خطاب “الحوافز” الخاص بهم لإنجاز مهمة “تشريد” العاملين، بأنهم جزء أصيل من الأزمة المراد معالجتها بالمزيد من مترادفات “الفصل التعسفي”.

القرار في مجمله هو حملة الحكومة “الدفتر دارية” لإسكات أي صوت أو فئة قالت “حقنا كامل”، وهذه هي التكلفة التي سيدفعها العاملون في الدولة بسبب “نقابات السلطان” وسدنة القرار الحكومي.

المواطنون والعاملون في الدولة، وبعد أن فقدوا الأمان العام بسبب الحرب، يفقدون الآن، وبسبب هذا النوع من القرارات، أمانهم الوظيفي وأمانهم الاجتماعي، لأن القرار الحكومي قرر أن يخوض حربًا ضدهم، وأن تحل الدولة مشكلاتها المالية بالتخلص منهم، وستستمر سياسة “وقف الحال” هي الحاكمة في علاقة الحكومة بأداء واجباتها وخدماتها للمواطن.

////////////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى