دبلوماسية الأمل: هل تعيد الخرطوم صياغة واقعها من بوابات العواصم الكبرى؟

شيء للوطن
بقلم/ م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
تعيش البلاد في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها المعاصر مخاضاً عسيراً يتطلب حراكاً غير تقليدي يتجاوز الأطر المحلية الضيقة ليرسم ملامح مستقبل جديد.. وفي هذا السياق، تأتي الجولة الخارجية الأخيرة لوفدنا الحكومي الرفيع، والتي شملت الفاتيكان وبريطانيا وتركيا، كخطوة إستراتيجية بالغة الأهمية، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السعي الحثيث لإعادة تموضع الدولة في قلب السياسة الدولية، وكسر العزلة المفروضة، وإيصال الصوت الحقيقي النابع من عمق المعاناة والتطلعات الوطنية.
إن التنقل بين هذه المحطات الثلاث يحمل دلالات سياسية واقتصادية وروحية بالغة الأهمية. فالبداية من الفاتيكان، واللقاء بأعلى مرجعية روحية هناك، يمثلان خطوة ذكية لترسيخ قيم السلام والسلم الاجتماعي، وبناء جدار من التعاطف الروحي والإنساني حول قضيتنا العادلة. فالأمر هنا لا يتعلق بالسياسة الجافة، بل بالبحث عن المشتركات الإنسانية التي تدعم الاستشفاء الوطني وتمنح مبادرة السلام زخماً أخلاقياً عالمياً، وهو ما بدا واضحاً في التفهم الكبير الذي أبداه البابا لتطلعات الشعب نحو السلام والاستقرار.
أما المحطة البريطانية، فقد شكلت اختراقاً دبلوماسياً حقيقياً بعد فترة من الانقطاع والبرود في العلاقات. واللافت في هذه الزيارة أنها لم تقف عند أعتاب المكاتب الرسمية المغلقة، بل انطلقت نحو المنابر الأكاديمية العريقة في أكسفورد وكامبريدج، وإلى ساحات منظمات المجتمع المدني والجالية المغتربة. هذا التحرك نحو “القوة الناعمة” والمنابر الفكرية هو السلاح الأقوى لمواجهة حملات التضليل والمعلومات المغلوطة التي تسوقها بعض الأطراف ذات الأجندات الضيقة. إن مخاطبة العقل الغربي من داخل مؤسساته الفكرية يعيد تقديم القضية الوطنية في ثوبها الحقيقي، بعيداً عن مشاوير التشويه، ويخلق تياراً شعبياً وأكاديمياً مسانداً للحقوق الوطنية.
وفي ختام الجولة، جاءت المحطة التركية لتضع النقاط على الحروف في ملفات حيوية تمس بصفة مباشرة معاش الناس والبنية التحتية. إن المباحثات التي أُجريت على أعلى المستويات القيادية، وفي إطار اللجنة الاقتصادية العليا، لم تكن مجرد بروتوكولات عابرة، بل تناولت ملفات معقدة ومؤجلة مثل جدولة الديون وموضوع الفوائد، إلى جانب التوصل إلى اتفاقات بشأن مشاريع حيوية لإعادة الإعمار. هذا المسار الاقتصادي هو الذي يترجم نجاحات الدبلوماسية السياسية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن البسيط في حياته اليومية وخدماته الأساسية.
لكن، وبالرغم من هذا التفاؤل والنجاح الذي حققته الجولة، فإن التحدي الأكبر يظل داخلياً. إن بناء “دولة جديدة” يتطلب صبراً وحكمة، وإدراكاً عميقاً بأن السلام العادل لا يعني بأي حال من الأحوال الإفلات من العقاب، بل يجب أن تسير العدالة الانتقالية بالتوازي مع التعافي الشامل. كما أن تماسك الجبهة الداخلية هو الحصن المنيع ضد ما يواجهه الوطن من حملات إلكترونية وغرف ممنهجة تسعى لإضعاف التلاحم الوطني وتشويه أي جهد رسمي يبذل في سبيل خدمة البلاد.
لقد قدمت هذه الجولة نموذجاً لـ “رحلة عمل” حقيقية ومتعددة الأبعاد، وضعت مبادرة السلام على طاولة القرار الدولي. والآن، الكرة في ملعب التطوير والمتابعة؛ إذ إن العبرة تظل دائماً في خواتيم الأمور وفي مدى قدرة الأجهزة التنفيذية على تحويل هذه التفاهمات والتعاطف الدولي إلى مشروعات تنموية واستقرار سياسي واقتصادي على أرض الواقع في مقبل الأيام.
//////////////////



