البرهان يحسم الجدل: لا مفاوضات في المنامة أو كيجالي

السودان يتجه إلى ما بعد التمرد وليس لتسوية معه..

المشهد الآن/علم الدين عمر

لم تكن تصريحات رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبدالفتاح البرهان أمام القادة والضباط داخل القيادة العامة بالخرطوم بالأمس مجرد تعليق على تداعيات وهوامش ما نشرته صحيفة “ميدل إيست” بشأن مباحثات مزعومة في المنامة أو كيجالي..التأكيدات جاءت في سياق سياسي وعسكري أوسع..بدا معه الرجل وكأنه يرسم حدود المرحلة المقبلة ويضع حداً لسلسلة من التكهنات التي ظلت تتحدث عن تسوية وشيكة أو مفاوضات غير معلنة بين الدولة ومليشيا الدعم السريع..
البرهان وصف تلك الروايات ب”الكاذبة” وأكد عدم وجود أي مباحثات من هذا النوع..ولم ينف خبراً صحفياً فحسب..إنما وجه رسالة سياسية واضحة مفادها أن الدولة لا تتعامل مع الحرب كأزمة قابلة للتسوية مع التمرد.. مؤكداً أن المعركة تتعلق بوجود الدولة نفسها ومستقبل مؤسساتها..

إغلاق باب التكهنات..

خلال الأشهر الماضية تكررت تقارير وتحليلات تتحدث عن تحركات إقليمية ودولية تهدف إلى إطلاق مسار تفاوضي جديد.. مستندة إلى لقاءات واتصالات جرت في عدد من العواصم..كما سعت بعض الأطراف إلى الترويج لفكرة أن نهاية الحرب قد تمر عبر صيغة تفاهمات سياسية تعيد دمج الدعم السريع في المشهد العام..
غير أن تصريحات البرهان الأخيرة تبدو بمثابة إغلاق واضح لهذا الباب..خاصة مع تأكيده أن “ما في زول رافع راية تمرد بدخل السودان تاني”.. وهي عبارة تحمل دلالات سياسية تتجاوز بعدها العسكري..وتؤكد أن الدولة تتجه نحو مقاربة تقوم على إنهاء التمرد وليس إستيعابه داخل ترتيبات جديدة بأي صيغة ومن أي عاصمة..

دلالات التوقيت..

تكتسب التصريحات أهميتها أيضاً من توقيتها..فالجيش السوداني حقق خلال الفترة الماضية تقدماً ميدانياً ملحوظاً في عدد من المحاور.. واستعاد زمام المبادرة في مناطق إستراتيجية.. بينما تواجه المليشيا تحديات متزايدة تتعلق بخسائرها العسكرية وتراجع قدرتها على الإحتفاظ بمواقع نفوذها السابقة..
وفي ظل هذه المعطيات..يبدو أن المؤسسة العسكرية أصبحت أكثر ثقة في إمكانية فرض معادلات جديدة على الأرض..وأقل استعداداً للعودة إلى صيغ التفاوض التي كانت مطروحة في مراحل سابقة من الحرب..ولذلك فإن حديث البرهان يمكن قراءته باعتباره إنعكاساً لتحولات الميدان وتعبير متوازن عن موقف سياسي ثابت..

رسائل إلى المجتمع الدولي..

لا تقتصر أبعاد التصريحات على الداخل السوداني وحده..فحديث البرهان عن أن كل من دعم التمرد لن يكون جزءاً من المشهد القادم يحمل رسائل مباشرة إلى الأطراف الإقليمية والدولية التي ظلت تراهن على تسوية تعيد إنتاج الشراكة بين الدولة والمليشيا بصورة أو بأخرى..
كما تعكس التصريحات تمسك القيادة السودانية بروايتها الأساسية للحرب..باعتبارها مواجهة بين الدولة وتمرد مسلح..وليس نزاعاً سياسياً بين طرفين متكافئين.. ومن شأن هذا الموقف أن يؤثر على طبيعة المبادرات المطروحة مستقبلاً وعلى سقوف أي تحركات دبلوماسية محتملة..

ما بعد الحرب..

القراءة الأعمق للمشهد تشير إلى أن السودان بدأ ينتقل تدريجياً من مرحلة إدارة الحرب إلى التفكير في ترتيبات ما بعدها..وفي هذا السياق..تسعى الدولة إلى تثبيت معادلة سياسية جديدة عنوانها أن مستقبل البلاد سيبنى على مؤسسات الدولة وليس على التسويات التي تمنح شرعية للسلاح خارجها..
لذلك يمكن القول إن أهمية تصريحات البرهان لا تكمن في نفي ما أوردته صحيفة “ميدل إيست” فحسب..إنما في كونها إعلاناً صريحاً عن إتجاه سياسي وإستراتيجي يرى أن المرحلة المقبلة ليست مرحلة تفاوض مع التمرد.. بل مرحلة تأسيس لمشهد جديد بعد إنحساره.. حيث جاء التأكيد..لا مفاوضات سرية..ولا تسويات خلف الأبواب المغلقة.. المضي في المسار الذي تعتقد الدولة أنه يقود إلى حسم الحرب وفتح صفحة جديدة في تاريخ السودان..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى