هيئة النزاهة والشفافية .. هل بدأت حكومة الأمل الحرب على الفساد ؟

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

في التسريبات التي عرضتها قناة “العربية” قبل اندلاع الحرب، وكجزء من استعراض “الصندوق الأسود” لفساد النظام السابق، عُرضت مقاطع مصورة لمناقشات “داخلية” لأعضاء التنظيم الحاكم وقتها، ظهر فيها قيادات الصف الأول ورئيس التنظيم نفسه، وهم على منصة “شفافية” فيما بينهم، يتداولون ما لم يكن باستطاعتهم تداوله بشكل عام أمام الشارع السوداني عن “فساد” الإخوان، بحسب المصطلح المتداول بينهم. وكانت هذه المداولات “السرية” محاولة استدراك متأخرة جداً، وانتباهًا بعد أن فاض الكيل بالشعب السوداني، ولم يعد سراً الحديث عن فساد “المقربين” من الرئيس، ووصل مستوى “الشفافية” في المواجهة، ولا أقول “النزاهة”، إلى حد المطالبة بعدم ترشح البشير في انتخابات كان مقرراً لها في العام 2020م.

وكان البعض من النافذين في التنظيم يرون بأن قليلاً من الانحناء لعاصفة الشارع العام على “الفساد” يمكن أن يخفف الأحمال الثقيلة التي ناء بها كتف الحزب الحاكم، وصار من الضروري “تنفيس” هذا الضغط الكبير بنوعية هذه المداولات والخطب عن الفساد والحملات على من تمت تسميتهم وقتها “القطط السمان”.

وفي سبيل أن يظهر وجه النظام بشكل مقبول، لم تتردد أجهزته وقياداته في التضحية ببعض “إخوان” المأكلة والتنظيم في مقابل التغطية على فساد أكبر لم يعد بالإمكان السيطرة عليه في نهايات العهد السابق، وصار المشتغلون بالنصيحة القائلة: “دار أبوك كان خربت شيل ليك منها شلية” هم الأغلبية، وصار السباق بينهم محموماً، فثقب سفينة الحكم كان قد اتسع، والماء قد بلغ الأنوف.

وقتها كانت الدولة قد سرحت في البعيد، وقهوة “الفساد” تغلي في الموقد، ولذلك لم تستطع أن تتدارك فيضانها الأسود، ولم تنجح حيلة “إلهاء” الشارع العام بقصص الشفافية والنزاهة والحرب على الفساد.

(*) النزاهة والشفافية في كراسة حكومة الأمل ..

وكان السيد/ كامل إدريس قد أصدر قراراً بتشكيل هيئة للنزاهة والشفافية، واختار سعادة الفريق شرطة/ عابدين الطاهر رئيساً لها، في خطوة قال رئيس الوزراء بأنها تهدف إلى تعزيز منظومة مكافحة الفساد وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة في الدولة.

في العادة، وبسبب رصيد التجارب الكثيرة للرأي العام السوداني مع نوعية هذه القرارات، لم تعد “الآذان” العامة تطرب لألحان ومقاطع “النزاهة” و”الشفافية”، وهذا برأيي نتاج طبيعي لتفاقم حالة الفساد السودانية، والتي تعتبر استثناءً إذا ما قارناها بنظيراتها في إقليم يعتبر النموذج عند رسم خارطته وفقاً لمؤشر النزاهة الحكومية العالمي.

ولم يكن من الغريب استخدام مصطلحات “النزاهة” و”الشفافية” في قرارات السيد رئيس الوزراء الدكتور/ كامل إدريس، فهو من أطلق على حكومته اسم حكومة “الأمل” في عز لعلعة الرصاص، وأطلق وعوداً يعلم جيداً بأن العقل السوداني مشغول بها، ولكن يبقى تفكيك القرار مهماً قبل إصدار القرار المتعجل حياله سلباً أو إيجاباً.

في علم الإدارة هنالك مدرسة تنحاز لما مضى إليه السيد رئيس الوزراء بتشكيل جسم منفصل في هيكل الحكومة، مهامه الرئيسية هي موضوعات النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد والوقوف على مسألة الحوكمة والحكم الراشد، وهنا بالضرورة يتطلب القرار أدوات كثيرة تدعم هذا الجسم المنفصل، لأن واقع الحال يقول بأن “الهيئة” ستصطدم بمتاريس كثيرة وكبيرة ذات علاقة بالقوانين التي تضبط الصلاحيات، خاصة عندما لا تكون فكرة الفساد محصورة في أفراد يمكن ببساطة لسعادة الفريق/ عابدين الطاهر أن يوقع على أمر ضبط وإحضار لهم، بمثلما كان الحال في أيام عمله الشرطي.

هنا قرار “الهيئة”، إن جاز لنا أن نفهمه في إطاره الصحيح، سيتعامل على مستوى النظام والدولة بمؤسساتها ووزاراتها، وهنا موضوع النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد يتطلب أكثر مما هو مكتوب في ورقة (A4) صدر عليها قرار تعيين ضابط سابق عظيم رئيساً لهيئة لا تملك فعلياً من أدوات العمل غير هذه الورقة وخبر تم تداوله على نطاق ضيق في الإعلام.

في بلد بحالة السودان يملك إرثاً لا يستهان به في مسألة الفساد، وترتبط فيه شبكات كبيرة ببعضها وتخلق ما يشبه “مقلاع داوود” لحماية الفساد بل وتقنينه، أضف إلى ذلك الحالة والأوضاع التي صنعتها الحرب، حيث أضعفت أدوات وأجهزة الدولة المعنية بمكافحة الفساد والرقابة الحكومية، فكيف يمكننا أن نتحدث عن حرب على الفساد وإقامة النزاهة والشفافية وحوكمة الأداء الحكومي؟

النظام القضائي والنيابة والشرطة والأمن كلها منظومة تأثرت بالحرب، وهي الآن تحاول أن تسترد عافيتها، والتي كانت تعاني في الأصل حتى قبل الحرب، وكانت الإمكانيات هي أصغر تحدياتها في أداء مهامها، فما بالك بعد ما فعلت الحرب فعلها، وصار لو أردت أن تزيح حجراً من على الطريق سيحتاج الأمر إلى “القومة والقعدة”، فما بالك بمهام مكافحة الفساد وإقامة شرعة النزاهة والشفافية.

“غول” الفساد في مرحلة من مراحل تخلقاته في السودان صار متحصناً بكل مطلوبات النفوذ والقدرة؛ “سلطة للساق ومال للخناق”، ولو أرادت حكومة الأمل أن تقيم عليه حرب النزاهة والشفافية فعليها أن تتحضر بما يليق بهذه الحرب، لأنها لن تكون سهلة على “جنرال” هيئة النزاهة والشفافية.

المدرسة الإدارية المقابلة لتلك التي تبناها السيد رئيس الوزراء في إصدار قرار تشكيل هيئة للنزاهة والشفافية تعتقد بأن تشكيل جسم منفصل في الهيكل للتعامل مع مسائل النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد والإشراف على الحوكمة هو أول خطوات فشل وتحجيم الدور المطلوب من الهيئة تنفيذه، وأن القرار بهذه الشاكلة إما أن يصل بها إلى نقطة أن تصبح “ديكوراً” يزين الهيكل الحكومي بلا مهام أو صلاحيات، أو يحدث ما هو أسوأ، بحيث تصبح الهيئة هي “الصداع” الدائم في حكومة الأمل ومصدر الإزعاج والصدامات التي لا تنتهي بسبب تقاطع المهام والصلاحيات، وأجد نفسي ميالاً لفرضيات المدرسة الثانية لأسباب كثيرة ومتعددة.

أولها طبيعة السياق الذي صدر فيه قرار تشكيل الهيئة، وكيمياء حكومة الأمل، والتي لا يخفى على أحد بأنها تحمل مركبات غير منسجمة بالكامل، إن لم نستطع أن نقول بأنها متباينة تماماً، ولا يوجد تعريف موحد فيها لمفهوم “الفساد”، ولا طريق واحد وواضح للنزاهة والشفافية.

وعلى سبيل المثال، هل تستطيع “هيئة” عابدين الطاهر ـ والسودانيون متى ما اتبعوا منهج تسمية الحكومات أو الهيئات بهذه الطريقة أعلم بأنهم قد بدأوا في عرقلتها ـ هل تستطيع أن تقول للسيد وزير المالية/ جبريل إبراهيم بأن ما جرى بخصوص عدم استعراض موازنة الدولة وإتاحتها للشعب السوداني يتعارض مع ألف باء الشفافية؟

هل من الممكن للسلطة الرابعة في هذا البلد أن تكون جزءاً من إقامة دولة النزاهة والشفافية، وهي تبحث عن معلومات إدارة المال العام في الدولة وموازنتها كالإبرة في “كومة القش” الحكومي، ثم لا تجد سوى كلام فضفاض وبدون أرقام؟

بل كيف جاز لرئيس الوزراء أن يتحدث عن الشفافية ويكون لها هيئة، وهو يعلم بأن “غتغتة ودسديس” وزارة المالية لا حدود له، وأن “الملاواة” في القرارات بين مكتبه ومكتب وزارة المالية في قصة الوكيل والهيئات الإيرادية الكبيرة كصندوق الضمان الاجتماعي هي جزء لا ينفصل عن حكاوي تحتاج لأكثر من هيئة؟

لا شك يساورني على الإطلاق في أن الدكتور/ كامل إدريس يملك تعريفاً واضحاً لمفهوم “الحوكمة”، ولكنه السؤال عن كيفية إقامته في حكومة قائمة بالأساس على “المحاصصة”، والقرار فيها يصدر تحت حصانة “السلاح” والوضع في الميدان، وهو قبل غيره يعلم بأن هنالك قرارات تعيين واعتماد لوزراء وموظفين في مناصب عليا ومؤثرة في الدولة وقع عليها بقلمه خرجت بقوة العضل، ولا علاقة لذلك بالنزاهة والشفافية والحوكمة واشتراطات الحكم الرشيد.

قبل أن تضع الحكومة هذا القرار أمام رئيس الهيئة الفريق/ عابدين الطاهر، هل ناقشت وناقش معه هذه التحديات وسبل التعامل معها، أم ألقته في “يم” المعركة مكتوفاً وقالت له: إياك إياك أن تبتل بالماء؟

قبول سعادة الفريق بالتكليف، خاصة وأن الخبر جاء مصحوباً بأن سعادته كان قد ناقش مع السيد رئيس الوزراء ما سماه متطلبات الهيئة “المقر والتأسيس وإكمال العضوية وهيكلها التنظيمي والوظيفي”، وما بين الأقواس بالضرورة لن يكون التحدي الحقيقي أمام الهيئة أكثر من الذي ذكرناه أعلاه.

فحكومة الأمل كانت قد شكلت لجنة لإعادة إعمار العاصمة الخرطوم، واختارت لها نافذين وأصحاب قرار، وأطلقت يدها في التشكيل والتأسيس، ثم انتهت إلى مراجعة القرار، ناهيك عن المهمة نفسها.

نقول بأن الحكومة عندما كانت في عز قوتها، وكانت كل أدوات مكافحة الفساد تحت يدها، وكانت على الأقل موحدة في سياستها وقرارها، استعصت عليها مهمة إقامة النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد، فكيف سيكون الحال والحال الآن حالة حرب؟

والسؤال المهم في هذا الأمر هو: هل تحتاج الحكومة فقط لهكذا قرار لتقيم النزاهة والشفافية وتكافح الفساد، أم أنها تحتاج لإرادة حقيقية تضع هذا الأمر موضع التنفيذ، ولتصبح الحوكمة هي الضابط للأداء الحكومي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى