مقترحات لزيادة أجور العاملين في الجامعات الحكومية السودانية وقطاع التعليم العالي

بقلم/ د. ماجدة مصطفى صادق
عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية، جامعة السودان العالمية
تُعد قضية الأجور وتحسين الأوضاع المعيشية لأعضاء هيئة التدريس والعاملين بمؤسسات التعليم العالي من أخطر التحديات التي تواجه الجامعات في المرحلة الحالية. فقد أصبحت الرواتب الحالية غير قادرة على مواكبة الارتفاع المتسارع في تكاليف المعيشة ومتطلبات الحياة الأساسية، مما انعكس مباشرة على الاستقرار النفسي والمهني للأساتذة والعاملين، وأثر سلباً على جودة العملية التعليمية والبحث العلمي واستمرار الكفاءات داخل الوطن.
فالأستاذ الجامعي الذي يُفترض أن يقود مسيرة المعرفة والتنوير، بات يواجه ضغوطاً اقتصادية قاسية تدفع كثيرين إلى الهجرة أو البحث عن أعمال إضافية لتأمين احتياجاتهم. بينما يعاني العاملون بالجامعات من أوضاع معيشية متدهورة لا تتناسب مع حجم الدور الذي يقومون به في خدمة التعليم والمجتمع.
ومن هنا، أصبحت معالجة مشكلة الأجور ليست مجرد مطلب فئوي، بل قضية وطنية ترتبط بمستقبل التعليم العالي، وقدرة الدولة على الحفاظ على عقولها وكفاءاتها، وضمان استمرار الجامعات كمؤسسات لبناء الإنسان والتنمية.
إن معالجة أزمة أجور أعضاء هيئة التدريس والعاملين بالجامعات لا ينبغي أن تتم عبر تحميل الطلاب وأسرهم أعباءً إضافية، ولا عبر تحويل الجامعات إلى مؤسسات تجارية تبحث عن الربح السريع. بل يجب أن تتم من خلال رؤية وطنية متكاملة تعتبر التعليم العالي استثماراً استراتيجياً في مستقبل الدولة.
ويمكن طرح عدد من المقترحات العملية القابلة للتنفيذ لزيادة الأجور وتحسين الأوضاع المعيشية دون المساس بمجانية التعليم أو تقليص فرص الطلاب السودانيين:
1. تخصيص نسبة ثابتة من الموارد السيادية
تخصيص نسبة ثابتة من عائدات الذهب والمعادن والنفط والاتصالات والموانئ لدعم التعليم العالي، باعتبار أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء البنية التحتية. فالدول التي احترمت جامعاتها لم تعتمد على الرسوم الدراسية وحدها، بل اعتبرت تمويل الجامعات جزءاً من الأمن القومي والتنمية طويلة المدى.
2. إنشاء صندوق قومي مستقل لدعم الجامعات
يُموّل الصندوق من مساهمات الدولة، ورسوم رمزية على بعض القطاعات الاقتصادية الكبرى، ومساهمات القطاع الخاص والبنوك الوطنية ورجال الأعمال والخريجين. ويُدار بشفافية كاملة بعيداً عن البيروقراطية، مع توجيه موارده مباشرة لتحسين المرتبات والبنية الأكاديمية والبحث العلمي.
3. إعادة هيكلة الإنفاق داخل الجامعات
تستهلك المصروفات الإدارية والإنشائية في بعض الأحيان جزءاً كبيراً من الميزانيات، بينما يبقى الأستاذ الجامعي في آخر سلم الأولويات. لذا يمكن تقليل الإنفاق غير الضروري، وضبط الامتيازات الإدارية، وتوجيه الموارد نحو العنصر البشري باعتباره أساس العملية التعليمية.
4. تفعيل الاستثمار الإنتاجي للجامعات
تمتلك الجامعات السودانية أراضي واسعة، وخبرات علمية، ومراكز بحثية، ويمكنها الدخول في مشروعات زراعية وصناعية واستشارية وتكنولوجية تحقق عائداً مستداماً يذهب جزء منه لتحسين الأجور. فالجامعة تستطيع أن تنتج المعرفة والخدمة والتنمية دون أن تتحول إلى مؤسسة تجارية تستنزف الطلاب.
5. ربط الجامعات بمؤسسات الدولة والقطاع الخاص
يتم ذلك عبر عقود استشارية وبحثية مدفوعة الأجر، بحيث تستفيد الوزارات والشركات من خبرات الأساتذة والباحثين، بينما تحصل الجامعات على موارد إضافية تُستخدم لتحسين دخول العاملين. فالكثير من الخبرات السودانية المتميزة تُتجاهل محلياً بينما تُستقطب خارجياً بمبالغ ضخمة.
6. توفير حوافز غير مباشرة
مثل التأمين الصحي الشامل، ودعم السكن، والإعفاءات الجمركية، وتسهيلات النقل، ومنح التعليم لأبناء العاملين. وهي إجراءات قد تكون أقل تكلفة على الدولة لكنها تُحدث أثراً كبيراً في الاستقرار النفسي والمهني.
7. مكافحة الفساد والهدر المالي
المبالغ التي تُهدر سنوياً في التجنيب، والامتيازات غير الضرورية، والسفريات، والمخصصات العالية لبعض المناصب، تكفي لمعالجة جزء معتبر من أزمة الأجور في الجامعات إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية.
8. وضع سلم أجور موحد وعادل
يضمن تقليل الفجوة الكبيرة بين التخصصات والكليات، ويمنع حالة التفاوت الحاد التي تؤدي إلى الاحتقان الداخلي وهجرة الكفاءات. فاستقرار الأستاذ الجامعي مادياً ومعنوياً هو المدخل الحقي لحماية جودة التعليم والبحث العلمي.
في النهاية، فإن أي إصلاح حقي لأوضاع الجامعات يجب أن يبدأ من الاعتراف بأن الأستاذ الجامعي ليس عبئاً على الدولة، بل هو أحد أهم أصولها الاستراتيجية. فالدول لا تُبنى بالموارد الطبيعية وحدها، وإنما بالعقول القادرة على التعليم والبحث والتخطيط والإبداع.
وأي سياسة لا تضع كرامة الأستاذ واستقرار الجامعة في مقدمة الأولويات ستقود حتماً إلى مزيد من التراجع وفقدان الكفاءات، بل قد تؤدي إلى تحول الأستاذ الجامعي من قاعة الدرس حيث يجب أن يكون، إلى ساحة المعارضة السياسية، بل والاشتراك الفاعل في النزاعات السياسية والحروب.
/////////////////



