السودان بين لعنة الثروة وأطماع الخارج (2)

بقلم/ محمد فؤاد عيد

 

عندما تتحول ثروات الدول إلى لعنة.. السودان نموذج بين أطماع الخارج وانشقاقات الداخل

 

هو العنوان الذي يلخص جوهر مأساته الحقيقية، ويكشف لماذا اندلعت الحرب، ولماذا أصبحت الثروة التي كان يُفترض أن تكون نعمة ورخاءً وقوداً للدمار والانقسام. هذه المعادلة المؤلمة هي أصل ما نعيشه اليوم من صراع مؤلم، وترتبط تماماً بما هو معروف: أن الوطن لا يُعوّض، والسيادة دين، والسلطة زائلة، أما الثروة فهي الاختبار الأكبر.

 

*متناقضات الثروة واللعنة*

لنسأل أنفسنا: لماذا تحولت الثروة في السودان إلى لعنة؟

يمتلك السودان كل ما يفتقده العالم من ذهب بكمّيات واسعة، نفط، أراضٍ زراعية خصبة تُسمى “سلة غذاء العالم”، مياه النيل، معادن استراتيجية، وموقعاً جغرافياً يتحكم في طرق التجارة والبحر الأحمر. ورغم ذلك، لا يزال شعبه يعاني الفقر والدمار، والسبب بسيط وقاسٍ: الثروة لم تُدار لصالح الشعب، بل أصبحت هدفاً للسيطرة، ومصدراً للصراع، وأداة بيد الخارج لضرب الدولة.

 

لا توجد دولة قوية تسيطر عليها وتوزع عائداتها بعدالة، بل تُترك للفوضى والمليشيات والتهريب. حينها أصبحت تلك المقومات جميعاً مصدراً للثراء الفاحش لفئة قليلة، بينما تبقى المناطق الغنية بالموارد هي الأكثر فقراً وتهميشاً – مثل دارفور وكردفان وبعض مناطق الشمال والشرق. فينشأ من الداخل الغضب والانقسام.

 

وللأسف، هذا ما حدث حين أغرت هذه الثروة القوى الخارجية للسعي للسيطرة عليها، فوجدت في أي انشقاق داخلي فرصة ذهبية لفرض نفوذها، أو لدعم أطراف محلية لتصبح وكلاء لها مقابل حصة من الغنيمة.

 

إن الحفاظ على سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه هو الخط الأحمر الذي لا يمكن التنازل عنه بأي شكل من الأشكال. فحين تتحول الأوطان إلى صفقات، وتُعرض السيادة في أسواق المصالح الضيقة، يفقد الوطن أخطر ما يملك: ضمير أبنائه.

 

*الوطنية الزائفة*

لم يكن التاريخ يوماً شاهداً على سقوط الدول بسبب فقر الموارد أو ضعف الإمكانيات وحدها، بل كثيراً ما بدأت الهزائم من الداخل، حين يختار بعض أبنائها أن يبيعوا انتماءهم مقابل مكاسب عابرة، أو مناصب زائلة، أو حماية مؤقتة من قوى خارجية لا ترى في الوطن سوى ساحة نفوذ ومخزن مصالح.

 

الوطنية الحقيقية لا تُقاس بالشعارات المرتفعة ولا بالخطب الرنانة، وإنما تُختبر في لحظات الأزمات، حين يصبح الموقف ثمناً، ويصبح الصمت خيانة، ويغدو الاصطفاف مع الوطن مكلفاً. عندها ينكشف الفرق بين من يرى الوطن قضية وجود، ومن يراه مجرد وسيلة لتحقيق منفعة شخصية.

 

وفي كل مرحلة مضطربة تظهر فئة مستعدة للتفريط في سيادة بلادها مقابل مكاسب ضيقة، غير مدركة أن من يبيع وطنه اليوم لن يجد غداً وطناً يحميه، وأن القوى التي تستخدم العملاء والأدوات سرعان ما تتخلى عنهم عندما تنتهي صلاحيتهم. فالأوطان تُبنى بالتضحيات، أما الذين يساومون على سيادتها فلن يورثوا أبناءهم سوى الخراب والانقسام وفقدان الكرامة الوطنية.

 

*ضياع السيادة*

يمكن وصف الفئة التي لا يهمها سيادة الوطن والحفاظ عليها بأنها أفراد وجماعات وفئات داخلية ناتجة من صلب الوطن. بعضهم يعمل في مؤسسات الدولة وآخرون خارجها. يتميزون بتقديم مصلحتهم الشخصية والمصالح المرتبطة بالخارج على المصلحة العليا للوطن، ويمجدون أيديولوجيات لا علاقة لها بهويتهم.

 

يرون أن سيادة الدولة الكاملة تشكل عائقاً أمام ما يعتبرونه “تقدماً” أو “شرعية” أو “مصلحة”، فيلجأون إلى استدعاء التدخل الخارجي، واستعداء كل ما هو وطني. تجدهم يمتثلون إفراطاً للشروط الدولية، أو يمررون قرارات تمس استقلال البلاد، سواء عن قصد أو عن جهل. هم بذلك أدوات مباشرة أو غير مباشرة لتقييد حرية القرار الوطني.

 

هؤلاء يمكن تسميتهم بالعملاء أو المتآمرين. يرتبطون بأطراف خارجية ويحصلون على الدعم المادي والسياسي والمعنوي مقابل تبني أجندات تلك الأطراف. يحركهم دافع واحد: المصلحة الشخصية أو الوصول إلى السلطة بأي وسيلة، حتى لو كان الثمن فقدان البلاد لسيادتها أو ثرواتها أو شخصيتها المستقلة. يجمعهم تبرير التدخل الخارجي واعتباره ضرورة حتمية لإنقاذ البلاد، ويسعون لتشويه كل صوت وطني يدعو للاستقلال، ويروجون بأن بلادهم غير قادرة على إدارة شؤونها بنفسها. هم أخطر الفئات لأنهم يعملون عمداً على هدم أسس الدولة لصالح قوى خارجية.

 

*الانتهازية*

لا يختلف عنهم الانتهازيون والمتسلقون. فئة ليس لديها رؤية وطنية واضحة ولا انتماء ثابت، تتغير مبادئها وأفكارها حسب المزاج السياسي. هم مستعدون لتقديم التنازلات وقبول شروط الأجنبي إذا ضمنوا منصباً أو سلطة أو مالاً لحماية مصالحهم. لا يعترضون إذا أصبح القرار الوطني تابعاً لأجندة خارجية، طالما أن هذه التبعية تضمن بقاءهم في مواقعهم أو ازدياد نفوذهم.

 

هم جسر العبور الذي تستخدمه القوى الخارجية لفرض شروطها، لأنهم لا يرون في التنازل خيانة، بل يرونه “براغماتية وذكاء”.

 

وهناك أيضاً أهل الطائفية والأيديولوجيات التي عفا عليها الزمان، من يضعون ولاءهم لفكر أو جماعة أو طائفة أو مذهب فوق ولائهم للدولة والوطن. عندما تتعارض مصلحة الدولة مع مصالح جماعتهم فإنهم لا يترددون في استدعاء الخارج لحمايتهم أو لفرض رؤيتهم، حتى لو أدى ذلك لتقسيم البلاد أو إخضاعها لوصاية خارجية. يتعاملون مع الدولة ككيان ثانوي، ويعتبرون أي دعم خارجي انتصاراً حتى لو كان فيه منقصة أو فقدان للسيادة.

 

*التنازل عن الحق الوطني*

يجتمع هؤلاء جميعاً على ازدراء كل ما هو وطني، ويعتبرون أي تنازل عن الحق الوطني تعاوناً والتزاماً دولياً، وأن الحلول لا تأتي إلا من الخارج. لذلك تجدهم دائماً مرتهنين للخارج، ورضا الخارج لديهم أهم من رضا الشعب وتحقيق مصالحه. يسعون لتشويه معاني السيادة، ويتعاملون مع المفاهيم الوطنية كمعوقات للتقدم.

 

هم من يحولون الدولة من صاحبة قرار وسيادة إلى طرف تابع ينفذ ما يُملى عليه، سواء كان ذلك عن خيانة مقصودة، أو جهل مركب، أو مصالح شخصية ضيقة لا تُقارن بقيمة الوطن.

 

*السيادة خط أحمر*

الحفاظ على سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه هو الخط الأحمر الذي لا يمكن التنازل عنه بأي شكل من الأشكال. وينبغي أن يعي الجميع أن السلطة تُعوّض ولكن الوطن لا يُعوّض إذا ضاع.

السلطة منصب زائل يمكن أن تذهب وتعود، لكن الوطن هو الهوية والأرض والتاريخ والمستقبل. إذا ضاعت سيادته أو وحدته، لا يمكن تعويضه أبداً، ولا قيمة لأي سلطة بعده.

 

السعي لتقديم التنازلات أو القبول بحلول وسط أو الرضوخ للضغط الخارجي من أجل السلطة والمنصب، وجعل الوطن تابعاً أو مقسماً أو مسلوب السيادة، هو محو لوجودية هذا الوطن. الخسارة الحقيقية هي الوطن. فحفظ السلطة وضياع الوطن يعني خسارة كل شيء، ولن يُذكر صاحبه في التاريخ إلا كمن سلم البلد لأعدائه مقابل منصب زائل.

 

*السيادة دين غالٍ*

أما إذا سعت القوى السياسية المستنيرة إلى حفظ السودان موحداً حراً مستقلاً، فلا يهم من يحكم أو من يكون في السلطة، المهم أن “الدار ما زالت داراً لأهلها”.

حينها يتجلى المعنى الحقي للانتماء الوطني: أن تجعل مصلحة الكيان فوق مصلحة الفرد، وأن تعلم أن وجودك كقائد لا قيمة له إن لم يكن في دولة قوية ذات سيادة.

 

السلطة تُعوّض، أما الوطن فإذا ضاع، ضاع معه كل شيء، ولا سبيل لاسترداده بسهولة. هذا هو المعيار الذي ينبغي أن يتعامل به كل مسؤول وموظف ومواطن وقائد مع الوطن.

السيادة دين على عاتق المواطن. ليست مجرد شعارات أو أغانٍ تُغنى. الوطن هو الذي أعطاك كل شيء: الأرض التي وُلدت فيها، والهواء الذي تتنفسه، والتاريخ الذي يحمل اسمك، والأمن الذي كان يحميك، والمستقبل الذي ينتظر أبناءك. هو المكان الوحيد الذي إذا ضاقت بك الدنيا يبقى هو الملاذ.

 

وحين يقدم لك الوطن كل هذا، يصبح واجبك تجاهه ديناً في عنقك، يجب أن تردّه وتوفيه، ولا تسقط عنك هذه المسؤولية أبداً، تماماً كالدين المالي أو الأخلاقي، بل وأعظم.

وكما أن الدين يُطالب به صاحبه، فإن الوطن يطالبك بأن تحميه، تدافع عنه، تبنيه، وتحافظ على سيادته. وكما أن الدين لا يُسقط إلا بالوفاء به، فإن حق الوطن لا يُرد إلا بالعمل من أجله، وإن لزم الأمر التضحية بالغالي والنفيس.

 

من قال إن السيادة والوطنية واجب على الحكام فقط، فقد أخطأ. الحكام وكلاء الشعب، أما المسؤولية الحقيقية فهي ملقاة على عاتق كل مواطن. فالدولة لا تقوم ولا تُحمى ولا تُبنى إلا إذا كان كل فرد فيها يشعر أنه مدين لهذا الوطن، وأن حفظه وصيانته هو أول واجباته وأشرف أدواره.

وما ضاع وطن ولا فُقدت سيادة دولة إلا عندما تخلى أبناؤها عن أداء دينهم تجاهها، وآثروا مصالحهم الخاصة على مصلحة الكيان العام. أما حين يشعر كل مواطن أن هذا الدين في عنقه، فإن الوطن يصبح حصناً منيعاً لا تنال منه قوة، ولا تهزه ريح، ولا يستطيع أي عدو أن يطأ أرضه أو يفرض عليه إرادته.

 

*أمة ذات قرار*

ينبغي أن نعي أن طبيعة القرارات الأممية وتأثيراتها على القرارات الوطنية تعمل في النهاية على تقييد معاني السيادة وجعلها منقوصة تحفها الشروط من كل جانب. ويحدث هذا كثيراً في الدول التي تعاني أزمات ونقصاً في النفوذ الدولي.

 

الأمة بلا سيادة تعني فقدان الكيان والقرار بالكامل، وهذا ما يجب علينا تجنبه حتى يصبح لدينا سودان معافى تعود له كينونته ومكانته إقليمياً ودولياً.

السيادة الحقيقية تعني أن تصنع دولتك قراراتها بناءً على مصلحة شعبها فقط، وتمارس سلطتها الكاملة داخل أراضيها، وتتخذ قراراتها دون إملاءات خارجية.

/////////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى