ايمن كبوش يكتب : ضد الانكسار.. (2)

افياء..
# عندما لامست عجلات طائرة (شركة بدر) التي نقلتنا من القاهرة عبر مدينة بورتسودان، ارض مطار الخرطوم، لم يكن ذهني معلقا بما كان يُكرر ويعاد ويستعاد عن الحرب ومخلفاتها وآثارها التي تبدو مثل خياطة جرح على خد حسناء.. لم تكن تفاصيل المدينة الشاحبة ضمن أولوياتي ولعل الامعان الطويل في ملاحقة اخبار الحرب، يقتل ادهاش الوقوف على إطلالها، فلم تعد (قفا نبكي) صالحة لهذا الزمان الجبان..
# لعدة اعتبارات لم احس بالأسى.. مطلقا.. واهم هذه الاعتبارات أنني تصالحت مبكرا مع فكرة أن السودان كله لم يبقَ فيه موضع إلا وعليه علامة جرح أو طعنة رمح أو ضربة مسيرة او اثار حريق.. كنت اقول انها فرصة، رغم اوجاعها الكبيرة، لكي يشهد هذا البلد لحظات انعتاق فاصلة تعود على إثرها كل الاشياء والفصول الجميلة التي غابت في مشوار العمر.. ويكفينا أن تعود الخرطوم.. تلك العروس التي كانت افتراضا (جنة رضوان) جمالا وبهاءً، قبل أن يشملها الطوفان وتفتقد الشاعر الكبير (محمد المكي إبراهيم) الذي كتب لأجلها اهزوجته الموسومة بـ(فرح في حديقة شوك قديم)، حيث قال: (حين أغفت أعين البنادق.. الموت نام.. نهض العشب بين الخنادق والزهر قام.. زهرة للهوى.. زهرة للجنوب.. وزهرة للشمال الحبيب.. وزهرة للتقدم والتنمية).. هذا بالضبط ما رأيته في بعض أحياء الخرطوم (المحلية) من شرقها إلى غربها، الا ان احياء مثل حي (المعمورة) والديوم الشرقية وبعض السجانة والحلة الجديدة، تستحق الجائزة الكبرى في الصمود.. كذلك كل أصحاب العمل الذي فتحوا كوة ضوء في شارع الراحل (بشير النفيدي) حيث احالوا شارع (الستين) إلى واجهة عرض تقاتل آثار الحرب.. وهناك (طلمبة نبتة) التي عادت بهوية بصرية ساحرة.. المطاعم المنتشرة على طول الطريق.. ومحلات الاثاث التركي والصيني والمصري.. بجانب التصنيع المحلي.. عادت إشارات المرور في التقاطعات ولم تتبق الا عودة الإنسان.. المنطقة هناك مثلما وصفها الشاعر (نهض العشب من بين الخنادق) في الرياض والطائف واركويت وحي الصفا، وكأن أهل تلك المناطق قد أرادوا تحويل مساكنهم تلك إلى متاحف تعبر عن السنوات العجاف.
# في واحد من أكبر المطارات.. كنا، وكان ركاب الطائرة المتجهة الى الخرطوم، الغارقة في السكون والهموم نهارا جهارا، يتساءلون بكل القلق… عن ما فعلته تلك الحرب بالمدينة، أغلبهم غابوا لسنوات.. فكان الاطمئنان حاضرا عندما بدأت الطائرة في الهبوط التدريجي.. هبطنا…. والهدوء هو ذات الهدوء الذي تركناها عليه.. تلك الخرطوم التي كان مبتدأها وخبرها عند رجال الجوازات، صحيح انهم فقدوا ابتسامتهم وكذلك رجال الجمارك الذين كانوا يصافحون الناس بترحاب.. ارتال المستقبلين المستبشرين.. ورجال التاكسي.. وغيرهم.. وغيرهم.. كلهم كانوا يتحدثون بلغة واحدة هي الامن والامان في الخرطوم الصمود..
# عندما أشيع بأن مسيرة استراتيجية، قادمة من اثيوبيا، استهدفت مطار الخرطوم، رأيت أمرا عجيبا، فبدلا من أن يهرب الناس من مكان الحريق المفترض، رأيتهم يسارعون عدوا نحو مكان الحدث، فكنا معهم، نستجلي ونستقصي فلم نجد ما رواه البعض في السوشيال ميديا.. المطار بخير.. بدليل أنه عاد للعمل بعد أقل من أسبوع.. الجيش صاحي وابطال الدفاع الجوي على قدر عال من الكفاءة في الردع والتنظيم والتنشين.
# وفي ام درمان.. المحلات الكبيرة تلاصق بعضها ورغم ذلك تغوص بالناس لدرجة الوقوف انتظارا للدور، حيث مطعم النيلين بقرب مطعم الصياد ولذيذ.. بينما يقدل البيت اليمني وحيدا في شارع المطار.
# اليقين الذي يتعامل به السودانيون مع ذاكرة الحرب، يزيد الإحساس بأن هذا البلد سوف ينهض، نعم ينهض اولا بالإنسان.. عراب التنمية الاول.. ولكن تنقصه الحكومة التي تمتلك الاحساس والفاعلية.. الاحساس بالشعب بالمعاناة والصبر.. والاحساس كذلك بقيمة الوقت والاحساس بالانجاز.



