المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: أمريكا و تسييس المستطيل الأخضر

بين 94 و 26 ​كيف تحولت الملاعب الأمريكية من الكرنفال الجماهيري إلى البيروقراطية السياسية؟

هل تملك الفيفا الشجاعة لحماية نزاهة المنافسة أمام الشروط السيادية للمستضيف؟

​يمثل كأس العالم لكرة القدم ذروة المهرجانات الإنسانية التي تلتحم فيها الشعوب تحت راية الرياضة، إلا أن استضافة الولايات المتحدة الأمريكية للبطولة هذا العام تعيد إلى الأذهان مفارقة تاريخية صارخة عند مقارنتها ببطولة عام 1994 التي احتضنتها الملاعب الأمريكية ذاتها. في تسعينيات القرن الماضي، ركزت الاستعدادات الأمريكية على تسويق اللعبة داخلياً وبناء بنية تحتية استوعبت حضوراً جماهيرياً تاريخياً قياسياً تجاوز 3.5 مليون مشجع، مدفوعاً بمرونة واضحة في منح تأشيرات الدخول للمشجعين من مختلف قارات العالم دون تعقيدات سياسية تذكر. أما اليوم، فتتحرك البطولة وسط أجواء مشحونة بقرارات الإدارة الأمريكية المقيدة للهجرة، وتوسيع قوائم حظر السفر لتشمل 39 دولة، فضلاً عن فرض شروط مالية تعجيزية مثل “سندات التأشيرة” المؤقتة، مما جعل المدرجات حكراً على جنسيات محددة وحرم مئات الآلاف من عشاق اللعبة من حق مساندة منتخباتهم الوطنية.

​وتتجلى أزمة العدالة التنظيمية بشكل أعمق عند النظر إلى التدخلات الحكومية المباشرة والتصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين في واشنطن، والذين يتعاملون مع الحدث كملف سيادي خاضع لتقديرات الأمن القومي والتحالفات الدولية بدلاً من كونه محفلاً رياضياً عالمياً. فبينما يمر تنظيم البطولة في دول العالم الأخرى بسلاسة وهدوء تنظيمي تقوده الاتحادات المحلية، تفرض الولايات المتحدة ثقلها السياسي والدبلوماسي؛ حيث تتدخل وزارة الخارجية لترسم بدقة حدود المسموح لهم بالدخول، وتضع استثناءات ضيقة تقتصر على اللاعبين والأطقم الفنية المباشرة دون اكتراث بالجماهير والبعثات الإعلامية. هذا الضجيج الدبلوماسي المستمر والتدخل المباشر لوزراء الخارجية ورؤساء الدول لا نرى له مثيلاً في النسخ السابقة، مما يكرس انطباعاً بأن أمريكا تتعامل مع الساحة الرياضية كأداة إضافية لفرض نفوذها السياسي الخارجي.

​ويتجاوز التحدي الحالي مجرد فرض شروط مشددة، ليصل إلى أزمة خانقة في الفترات الزمنية اللازمة لمعالجة طلبات التأشيرات؛ حيث تشهد القنصليات والسفارات الأمريكية حول العالم فترات انتظار طويلة للحصول على مواعيد المقابلات الشخصية تمتد لأشهر وفي بعض الأحيان تتجاوز العام كاملاً. هذا البطء الإداري القاتل يحرم مئات الآلاف من مشجعي كرة القدم—الذين حسمت منتخباتهم التأهل في اللحظات الأخيرة—من أي فرصة واقعية للحصول على إذن الدخول قبل انطلاق صافرة البداية، مما يفرغ البطولة من تنوعها الثقافي المعتاد ويحرم المدرجات من وهج الشغف الحقيقي.

​تنعكس هذه التعقيدات اللوجستية بشكل كارثي على التخطيط المالي والسياحي للمشجعين، إذ يجد عشاق اللعبة أنفسهم مرغمين على حجز تذاكر الطيران والإقامة بأسعار مرتفعة دون وجود أي ضمانة قانونية للحصول على التأشيرة، أو يضطرون لتأجيل الحجوزات حتى تضيع الفرصة تماماً. هذه المعاناة والضبابية الإجرائية لا تفسد متعة الشغف الرياضي فحسب، بل تحول رحلة دعم المنتخبات الوطنية إلى مخاطرة مالية ونفسية غير مضمونة العواقب بسبب البيروقراطية المقيدة التي وضعت السفر لحضور الحدث في نفق مظلم من الانتظار والترقب الإداري.

​ويضع هذا التباين الحاد الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) أمام حرج بالغ ومساءلة حقيقية تتعلق بمبدأ “عدالة المنافسة” وتكافؤ الفرص بين المنتخبات المشاركة. فالحجم الحقيقي للدعم الجماهيري يمثل عنصراً حاسماً في تحفيز اللاعبين وتغيير مجريات المباريات، وحين تمنع القيود الأمريكية جماهير منتخبات متأهلة—مثل إيران أو هايتي أو السنغال—من دخول الملاعب بينما تتدفق جماهير الدول الغربية والآسيوية المتمتعة بالإعفاءات الإلكترونية مثل بريطانيا واليابان، تنهار نزاهة التنافس الرياضي. إن سماح الفيفا بـتسييس مدرجات الاستادات بناءً على الهوية الممنوحة للتأشيرات يضرب في مقتل الشعارات التي طالما تغنت بها المنظمة الدولية حول فصل الرياضة عن السياسة، ويحول المونديال من بطولة للشعوب إلى بطولة محكومة بالمواقف الدبلوماسية المسبقة لبلد المنشأ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى