الطاهر يونس يكتب: مدينة ديلفت.. واللقاء العابر

كلما استبدّ بي الضجر وضاقت بي مساحات الغربة حتى بدت كسجنٍ يطوق الروح كانت تلوح لي من بين الأزقة والقنوات المائية إشارات الفرج قادمة من مدينة دلفت الهولندية ،تلك المدينة التي تمتزج فيها العراقة بالعلم ويتعانق فيها التاريخ والحاضر في مشهدٍ فريد.

( دلفت ) تحتضن واحدة من أعرق الجامعات التكنولوجية في العالم جامعة TU Delft التي شهدت أرضها محطات بارزة في البحث العلمي والاكتشافات التي أسهمت في تشكيل ملامح العصر الحديث. وفي قلب المدينة تقف الكنيسة الجديدة (nieuwe kerk) شامخة محتضنة المقبرة الملكية التي يرقد فيها معظم ملوك هولندا وأمراء أسرة ( أورانيا ـ ناساو ) الأسرة المالكة التي ارتبط تاريخها بتاريخ البلاد القديم والحديث.

كما تستضيف المدينة معهد IHE العالمي لدراسات المياه والهيدرولوجيا الذي يفد إليه الباحثون والدارسون من مختلف أنحاء العالم (وبلا استثناء) الدارسين والأساتذة السودانيين وأشهرهم علي الإطلاق بروفيسور ياسر عباس وزير الري السابق ، وعلى مقربة من هذه المعالم تبرز الكنيسة القديمة ( oude kerk ) بقوامها الممشوق وسحرها المعماري الفريد محاطةً بساحات ومقاهٍ ومطاعم تمنح المكان حيوية لا تنقطع.

ويرتبط أحد مطاعم تلك الساحة بقصة طريفة تتناقلها الذاكرة المحلية علي مدي ثلاث عقود من الزمان فعندما زار الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون وزوجته المدينة خلال فترة رئاسته تأخر فتح أبواب الكنيسة لعدة دقائق فاستغل كلينتون الوقت في التجول بين المطاعم المجاورة ،ثم اختار الجلوس على طاولة في مطعم كان يعاني صاحبه من ضعف الإقبال وقلة الإيرادات ،غير أن تلك الدقائق القليلة غيّرت مجرى الأمور جذريا إذ تحولت الطاولة إلى مقصد للزوار وأصبح المطعم يستقبل أعداداً متزايدة من الراغبين في الجلوس حيث جلس الرئيس الأمريكي حتى صار صاحبه يشكو من كثرة الطلبات بعد أن كان يشكو من قلتها.

كانت مدينة دلفت بالنسبة لي إبان اقامتي بهولندا متنفساً حقيقيا بقنواتها المائية التي تشق المدينة في انتظام بديع، وبأسواق الخزف الأزرق التي تضفي على الواجهات والمنازل جمالاً خاصاً لا سيما في أيام الصيف المشرقة.

وفي أحد أيام السبت وبينما كنت غارقاً في التجوال بين شوارعها لمحت من بعيد رجلاً يحمل ملامح سودانية أصيلة أنيق الهندام يجر حقيبة سفر كبيرة على عجل وكأن بينه وبين الرحيل موعداً لا يحتمل التأخير. اقتربت منه وسلمت عليه فاستقبلني ببشاشة أهل السودان المعهودة.

سألته عن سبب استعجاله، فعرفت أنه في طريقه إلى المطار وأن الوقت يكاد لا يسعفه للحاق برحلته. عرضت عليه أن أوصله بسيارتي فوافق ممتناً وانطلقنا معاً في رحلة قصيرة تبادلنا خلالها أطراف الحديث.

وفجأة سكت هنيهة ثم التفت إليّ قائلاً:

أظنك تشبه شخصاً أعرفه جيداً… صديقاً قديماً من أيام الدراسة، المهندس عوض الكريم محمد أحمد.”

ابتسمت وقلت له: “هو خالي، شقيق والدتي.”

عندها تهلل وجهه وقال عبارته التي لا أنساها:

“يا ابني من شابه خاله فما ظلم.”

لم تكن تلك المرة الأولى التي يشبهني فيها أحد بخالي لكنها كانت من أكثرها وقعاً في نفسي لما حوته من قصص زملاء دراسة كانت بمثابة دفئ وتسلية وسلوي ففي كل مرة أسمع هذا التشبيه أشعر بالفخر لعظيم محبتي لخالي وعندما أعود بذاكرتي إلى الوراء أجد أننا نتشابه في كثير من الصفات مظهراً ومخبراً. حتى اهتماماتنا تكاد تكون واحدة من عشق الهلال إلى جنون برشلونة، وصولاً إلى المحبة الصادقة للمصطفى ﷺ، تلك المحبة التي أفنى خالي سنوات طويلة من عمره في رحابها بين الروضة الشريفة والبقيع.

في ذلك اليوم لم يكن الرجل الذي أوصلته إلى المطار مجرد مسافر عابر. لقد أهداني شيئاً أثمن من كلمات الشكر ، أهداني وطناً كاملاً في لحظة وبدد شيئاً من وحشة الغربة التي كانت تطوقني.

رحم الله ذلك الرجل الكريم الذي أعاد إلى القلب دفء الوطن، المهندس علي الكريمت ورحم خالي عوض صاحب الطلة البهية والسيرة العطرة فقد غيّبهما الموت في أتون هذه الحرب اللعينة.

الطاهر الطيب يونس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى