من كررى إلى ابوطليح ثم معركة الخرطوم.. رحلة المقاومة والانتحار الوطني

بقلم/ محمد فؤاد عيد
في تاريخ السودان الحديث، تُعد ثلاث معارك محطات فارقة تحمل دلالات عميقة حول طبيعة الصراع في البلاد: معركة أبو طليح (1885)، معركة كررى (1898)، ومعارك الخرطوم (2023-2025). تشترك الأولى والثانية في مواجهة الغزو الاستعماري البريطاني، بينما تمثل الثالثة نموذجاً مختلفاً تماماً: صراعاً داخلياً دموياً بين أبناء الوطن الواحد.
العدو الخارجي..وخلايا الداخل :
في 17 يناير 1885، دارت معركة أبو طليح في صحراء بيوضة شمال المتمة. حاولت قوة بريطانية-مصرية كسر الحصار عن الجنرال غوردون في الخرطوم. ورغم التفوق التسليحي الكبير للقوات الغازية، قدم المقاتلون المهدويون مقاومة شرسة أجبرت البريطانيين على القتال في تشكيل مربع دفاعي. انتهت المعركة بانتصار تكتيكي بريطاني وقد انتصر فيها الإنجليز بعد تكبدهم خسائر كبيرة في الأرواح ومنها العديد من كبار الضباط وضمنهم قائد القوة البريطاني هربرت ستيوارت، والكولونيل برنابي مما منع الإنجليز من تحقيق الهدف من المعركة وهو الوصول السريع بالقوة كاملةً لنجدة غوردون المحاصر في الخرطوم. خسائر البريطانيين في المعركة اقنعت الإنجليز بالانسحاب من السودان رغم انة جاء متأخراً فسقطت الخرطوم وقتل غوردون بعد أيام قليلة.
وبعد ثلاثة عشر عاماً، جاءت معركة كررى في 2 سبتمبر 1898 لتكون الضربة القاضية للدولة المهدية. رغم بسالة الأنصار الاستثنائية، سحقتهم المدافع الرشاشة (المكسيم) والمدفعية الحديثة للجنرال كتشنر في ساعات معدودة. سقطت الدولة المهدية، وبدأ العهد الاستعماري البريطاني-المصري.
أما معارك الخرطوم التي اندلعت في أبريل 2023 وانتهت باستعادة الجيش للعاصمة في 2025، فتحكي قصة مختلفة جذرياً. لم يكن الخصم غازياً أجنبياً هذه المرة، بل كان سودانياً خالصاً: صراعاً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. تحولت العاصمة إلى مدينة أشباح مدمرة، واستمر القتال أكثر من سنتين في حرب شوارع مدمرة.
مفارقات :
في أبو طليح وكررى، كانت الفجوة التكنولوجية هائلة: المهدويون يقاتلون بالرماح والسيوف وبنادق قديمة أمام رشاشات ومدافع حديثة. أما في معارك الخرطوم، فكان التسليح متقارباً نسبياً، مع استخدام واسع للطائرات المسيرة والمدفعية الثقيلة من الجانبين.
أما على صعيد الخسائر الإنسانية، فالأرقام صادمة:
أبو طليح: مئات القتلى في ساعات.
كررى: أكثر من 12 ألف قتيل مهدوي.
الخرطوم: عشرات الآلاف من القتلى بين مدنيين ومقاتلين، مع تدمير شبه كامل للبنية التحتية، وأكبر أزمة نزوح في العالم.
انتهاكات سجلها التاريخ :
يخلّد التاريخ السوداني بطولة مقاتلي أبو طليح وكررى أمام الغزاة الأجانب. أما معارك الخرطوم، فيغلب عليها وصف الفظائع والانتهاكات من النهب المنظم والاغتصاب الجماعي والمذابح ضد المدنيين، مما أفقد كلا الطرفين — وخاصة قوات الدعم السريع — الشرعية الأخلاقية.
من المقاومة إلى الانتحار :
معركتا أبو طليح وكررى تمثلان مقاومة وطنية ضد الاستعمار، رغم انتهائهما بهزيمة عسكرية. أما معارك الخرطوم فتمثل انتحاراً وطنياً داخلياً، قسّم البلاد فعلياً ودمر ما تبقى من نسيجها الاجتماعي.
قصة آل دقلو.. اطماع ثم كارثة :
من المفارقات السياسية الأليمة في التاريخ السوداني الحديث شخصية ومسار آل دقلو وقوات «الدعم السريع». الرجل الذي كان يُوصف بأنه «الرجل الثاني» في الدولة، ويجلس على طاولات المفاوضات الإقليمية والدولية، تحول بين ليلة وضحاها إلى مجرم حرب مطلوب للعدالة، وأداة للدمار والتشريد.
لم يكن آل دقلو يوماً جزءاً من مؤسسات الدولة التقليدية. هم امتداد لميليشيات نشأت في أجواء الحرب والتهميش في دارفور، المعروفة تاريخياً بـ«الجنجويد» — أو كما يصفهم الشعب السوداني: «القادمون من بعيد». كيان نشأ وتقوى خارج إطار القانون، وازدهر في ظل الفوضى.
كيف يصبح من بنى وجوده على السلاح والغنيمة بأن يحكم دولة أو حامياً للديمقراطية ؟
سقوط الأقنعة :
شعارات «الدولة المدنية» و«الحرية والعدالة» التي رددتها قيادات الدعم السريع لم تكن سوى أقنعة لخداع الداخل وكسب تأييد الخارج. فعندما حان وقت الدمج في الجيش والخضوع للسلطة المدنية، اختاروا الحرب في 15 أبريل 2023.
– رغم تاريخه الدموي، نجح في جذب بعض الفصائل السياسية، وقادة القبائل، ومجموعات اجتماعية، عبر تقديم وعود بالحكم، أو توزيع أموال ومساعدات، أو استغلال الخلافات والانقسامات في السودان.
يروج لنفسه ولمن معه “كمدافع عن الديمقراطية”، أو “ممثل للفئات المهمشة”، أو “مناهض للإسلاميين والجيش القديم”، ليخدع البعض ويكسب تأييدًا، ويبرر وجوده وطموحه بالسلطة، رغم أن أفعاله تناقض كل هذه الادعاءات. طموحهم ليس نابعًا من رؤية وطنية أو كفاءة، بل من رغبة في السلطة والثروة، ويعتمد فقط على القوة المادية والعلاقات الخارجية، بينما يرفضه غالبية السودانيين الذين يدركون أن تاريخهم مليء بالجرائم والدمار.
لم يكن هدفهم بناء الدولة، بل تحقيق ثلاثة أهداف شخصية وعائلية:
السيطرة على الثروات، وخاصة مناجم الذهب في دارفور وكردفان.
الحفاظ على الكيان المستقل، رافضين الذوبان في مؤسسات الدولة.
الطموح للسلطة المطلقة، تحول «الرجل الثاني» إلى حاكم مطلق.
مفارقات مؤلمة في كل أرض :
الخرطوم: درة المدن ولقاء النيلين، تحولت إلى ركام ومدينة أشباح.
ود مدني: الملاذ الآمن لملايين النازحين، سقط «الستار» الآمن واضطر الناس للنزوح مرة أخرى من ظل منهم على قيد الحياة.
دارفور: الأرض التي ادعوا السعى لحمايتها، أصبحت أكبر مناطق الإبادة والمقابر الجماعية.
كردفان: أرض الذهب والخير، تحولت إلى منطقة نهب منظم وفقر مدقع.
مروي: أرض الحضارة والتاريخ والأهرامات، لم تسلم من النهب والتدمير.
من الخرطوم إلى مدني.. ومن دارفور إلى كردفان ومروي.. ترك «القادمون من بعيد» وراءهم وطناً مجروحاً وشعباً مشرداً وذكريات أليمة يصعب جبرها.
في محطة فارقة تُسجل بحروف من نور في تاريخ السودان الحديث، سطرت قواتنا المسلحة الباسلة بمساندة أبناء الشعب السوداني الأحرار، أروع ملاحم البطولة والفداء خلال معركة استعادة العاصمة الخرطوم، التي جاءت تتويجًا لمسار طويل من الكفاح، وتجسيدًا حيًا لأسمى معاني الوطنية، والانتماء، والتضحية في سبيل الأرض والسيادة.
تحرير الخرطوم :
فقد شهدت العاصمة التي ظلت لأشهر طويلة ترزح تحت وطأة ميليشيات الدعم السريع، وتعرضت فيها لموجات من القتل والنهب والدمار، تحولًا استراتيجيًا مفصليًا، حين أعلنت القوات المسلحة بدء عملياتها لتطهير كل شبر من تراب الخرطوم من دنس الغزاة، مُعلنة أن المعركة هي معركة وجود، ومصير، وكرامة، لا هوادة فيها ولا تراجع.
لم تكن المواجهات مجرد عمليات عسكرية تقليدية، بل كانت نموذجًا في فن القتال والصمود، حيث خاض رجال الجيش معارك ضارية في أزقة وشوارع العاصمة، وتحت وابل كثيف من النيران، وفي ظل ظروف بالغة التعقيد فرضتها طبيعة القتال داخل المدن، وتحصن الميليشيات في المباني السكنية والمنشآت الحيوية، واستخدامها المتعمد للمدنيين كدروع بشرية. ورغم كل ذلك، أثبت المقاتلون السودانيون أن إرادة الدفاع عن الوطن أقوى من كل سلاح، وأن العقيدة الوطنية هي ما تصنع الانتصارات حين تتساوى الفرص وتشتد المحن.
لقد جسدت هذه المعركة معنى “الاستبسال” بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، حين تقدم الجنود والمتطوعون الصفوف، وهم يعلمون حجم التضحية، ويدركون أن ما يخوضون معركة من أجله هو أغلى ما يملكون: أهلهم، وأرضهم، ومستقبل أجيالهم. فلم تكن الخرطوم في نظرهم مجرد عاصمة أو مقر حكم، بل كانت رمز السودان الموحد، وقلبه النابض، واستعادة سيادتها واجب وطني لا يمكن التنازل عنه أو المساومة عليه.
وفي الوقت ذاته، كشفت الملحمة عن جوهر الوطنية السودانية النقية، التي تتجاوز كل الانتماءات الضيقة، لتتحد تحت راية واحدة هي راية الوطن. فقد التحم الجيش مع أبناء الشعب، وتكاملت الجهود بين المقاتلين والمدنيين، ليقف الجميع صفًا واحدًا في وجه المشروع التخريبي الذي استهدف تمزيق النسيج الاجتماعي، وتدمير مؤسسات الدولة، ونهب ثروات البلاد بدعم ومساندة خارجية سعت لفرض واقع جديد يخدم أجندات لا تمت بصلة لمصالح الشعب السوداني.
الإيمان يصنع المعجزات :
إن ما تحقق في الخرطوم لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل هو انتصار للإرادة الشعبية، وإثبات قاطع بأن هذا الشعب العظيم، وجيشه الوطني، قادرون دائمًا على حماية وطنهم، وإفشال كل المؤامرات، وفرض إرادتهم في البقاء دولة قوية ومستقرة وذات سيادة. كما أكدت المعركة أن كل من يظن أن بوسعه فرض نفسه أو حكم السودان عبر القوة الغاشمة أو المال المدنس أو التدخلات الخارجية، هو واهم ومخطئ، فالسلطة في النهاية لا تُبنى إلا على رضا الشعب، ولا تُصان إلا بدماء أبنائه المخلصين.
تجسيد المقاومة :
واليوم، وبعد أن رُفع علم السودان عاليًا فوق مباني العاصمة ومؤسساتها السيادية، تبقى ذكرى هذه المعركة خالدة ومدرسة تُعلم الأجيال معنى الانتماء ودرسًا تاريخيًا يُفيد بأن الأرض تُورث بالدم وتُحمى بالروح وأن الخرطوم التي صنعت تاريخها بجهاد أبنائها ستظل دائمًا عصية على الغزاة، عزيزة بشعبها وجيشها، حرة أبية كما أرادها أهلها دائمًا التاريخ لن يسأل عمن أطلق الرصاصة الأولى بل سيشهد بحروف من دم: أن «القادمين من بعيد» لم يأتوا ليبنوا بل جاءوا ليأخذوا كل شيء، ويتركوا الخراب في كل مكان وصلوا إليه.
رجل صنعته الحرب، أصبح أسيراً لها، وبنى مجده فوق جماجم أبناء وطنه.. فلم يبنِ دولة، بل دمرها.
المفارقة الكبرى:
في كرري، خسر السودان معركة لكنه حافظ على كرامته.
في الخرطوم، لم يخسر الجيش بعد (فهو يسيطر على العاصمة الآن)، لكن السودان كدولة يخسر يومياً في حرب هويات لن تنتهي بسيطرة طرف على الآخر.
الالتقاء الأعمق: في كلتا المعركتين، كان “المواطن البسيط” هو الضحية. لكن في 1898، كان يموت تحت راية المقاومة. في 2026، يموت تحت راية “أنت معاهم ولا معانا”.



