المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: انتخابات رئاسة ريال مدريد

من يحسم زلزال مدريد و يكتب المستقبل ، صراع الأجيال، أم الهندسة والمليارات؟
يعيش نادي ريال مدريد الإسباني واحدة من أدق المنعطفات التاريخية في القرن الحادي والعشرين؛ فبعد أن خرج صفر اليدين خالي الوفاض لموسمين متتاليين ، لم يجد رئيس النادي الحالي، فلورنتينو بيريز الملقب بالقرش (shark)، خياراً سوى تفعيل “صدمة كهربائية” لإعادة النبض في قلب المؤسسة الأكبر في العالم ، وذلك عبر الدعوة المفاجئة لانتخابات رئاسية مبكرة حدد موعدها اليوم الأحد 7 يونيو 2026م علما أنه كان قد فاز قبل عام و نيف بالتزكية لرئاسة النادي و ما زالت أمامه سنوات في رئاسته الحالية.
و ما لم يحسب له “القرش” حساباً بدقة، وفجّر حالة من الارتباك الواضح في معسكره، هو ظهور منافس شاب كسر احتكاراً دام لأكثر من 20 عاماً دون أي منافسة فعلية؛ إنه رجل الأعمال الشاب إنريكي ريكيلمي.
هذا الارتباك بدا جلياً على تحركات بيريز الذي اعتاد لسنوات طويلة إما الفوز الكاسح أو حسم المقعد بالتزكية دون عناء، مستنداً إلى الشروط التعجيزية التي كان قد فرضها بنفسه في تعديلات لوائح النادي _عام 2012 وعام 2021_ والتي تتطلب ممن يتقدم لمقعد رئاسة النادي ، أقدمية عضوية تتجاوز 20 عاماً وتقديم ضمان مالي ضخم من البنوك الإسبانية حصراً يعادل 15% من ميزانية النادي. وكان بيريز يظن في قرارة نفسه أن هذه الأسوار العالية من الشروط التعجيزية ستحميه من أي منافسة، لتأتي جرأة ريكيلمي وقدرته على استيفاء هذه الشروط بمثابة صدمة غير متوقعة لـ “القرش” الذي وجد نفسه مضطراً فجأة للنزول إلى أرض المعركة وخوض حملة انتخابية حقيقية بعد أن نسيت أدبيات النادي معنى “صناديق الاقتراع” لسنوات مضت.
تحمل هذه الانتخابات طابعاً شخصياً وفكرياً فريداً، وتتجلى فيها الفوارق الجوهرية في شكل صراع أجيال واضح؛ حيث يمثل الرئيس الحالي فلورنتينو بيريز جيل الخبرة والكهولة المجرّبة بعمر يناهز 79 عاماً، حاملاً شعاره الانتخابي “تاريخٌ أطول يجب أن يُكتب”. وفي المقابل، يقف إنريكي ريكيلمي متسلحاً بعنفوان الطموح المتجدد والشباب بعمر 37 عاماً فقط، رافعاً شعار “الإرث والمستقبل”.
هذا التباين العمري يمتد ليصبح صراعاً بين عقليتين علميتين؛ فبيريز هو رجل الهندسة المدنية، الذي لطالما انعكست خلفيته الأكاديمية على ولعه بالبناء وتشييد المشاريع العملاقة وتطوير الملعب التاريخي. أما ريكيلمي، فهو يمثل عقلية الهندسة الصناعية الحديثة، حيث ترتكز طموحاته على مفاهيم الطاقة المتجددة، والتحسين المؤسسي، والاستدامة المستندة إلى العصر الرقمي.
أما على الصعيد المالي، فإن الكفة تبدو غير متكافئة من حيث الأرقام، لكنها تعكس رغبة كل طرف في إثبات قدرته الاقتصادية؛ حيث يدخل بيريز المعركة مستنداً إلى ثروة طائلة وصافية تقدر بقرابة 7 مليار يورو، تجعله واحداً من أثرى أثرياء إسبانيا والعالم. في حين يدخل الشاب ريكيلمي المنافسة بصافي ثروة تقدر بنحو 490 مليون يورو، وهي ثروة بناها من استثماراته الطموحة في قطاعات الطاقة والخدمات اللوجستية، معتمداً عليها لتأمين الضمانات المالية الضخمة التي تفرضها لوائح النادي الصارمة للترشح.
تحولت الحملة الانتخابية في أيامها الأخيرة إلى حرب تصريحات ووعود بصفقات ثقيلة لإغراء “السوسيوس” (أعضاء النادي البالغ عددهم نحو 100 ألف عضو)، وهو ما يعكس أيضاً اضطرار بيريز لتقديم تنازلات جماهيرية سريعة لامتصاص حماس منافسه
* جبهة فلورنتينو بيريز (الاستقرار وعودة الخاص): بيريز، المعتمد على تاريخه الحافل بـ 7 ألقاب دوري أبطال أوروبا، اختار اللعب بورقة مضمونة جماهيرياً لإعادة الانضباط والرد على ارتباك الحملة. أعلن رسمياً عبر فيديو مقتضب عن عودة المدرب البرتغالي المخضرم جوزيه مورينيو لتدريب الفريق بعقد قيمته 15 مليون يورو في حال فوزه، مطلقاً شعاراً تسويقياً طريفاً: “So much history to be made”. كما تشير التقارير إلى حسمه صفقة المدافع الفرنسي إبراهيما كوناتي لتأمين الخط الخلفي.
* جبهة إنريكي ريكيلمي (الثورة الشاملة وأسْوَد إسبانيا): ريكيلمي يرى أن النادي فقد هويته الإسبانية، منتقدًا بشدة غياب لاعبي ريال مدريد عن تشكيلة المنتخب الإسباني في المونديال الحالي. ولهذا، بنى مشروعه الرياضي على تعيين الأسطورة راؤول غونزاليس مديراً رياضياً، وتكليف فرناندو هييرو بإدارة أكاديمية “لا فابريكا”. وعلى مقعد الإدارة الفنية، أكد أنه وقع اتفاقاً سرياً مع مدرب أرسنال الحالي ميكيل أرتيتا. أما عن الصفقات، فقد وعد بضم قائد إسبانيا ونجم مانشستر سيتي رودري، فضلاً عن فتح خط مفاوضات ساخن لضم الظاهرة النروجية إيرلينغ هالاند.
لم يقتصر الصراع على المستطيل الأخضر، امتد لمدينة “فالديبيباس” الرياضية؛ حيث يخطط بيريز، مدفوعاً برؤيته في الهندسة المدنية، لتحويل فالديبيباس إلى مركز عالمي للتكنولوجيا والبحوث والذكاء الاصطناعي، بهدف تعزيز القيمة التجارية للنادي كعلامة ترفيهية رائدة عالمياً.
في المقابل، يرتكز مشروع ريكيلمي المستند إلى الهندسة الصناعية على إعادة النادي لأعضائه تحت مسمى “مدينة الأعضاء” (La Ciudad del Socio). ووعد بخفض رسوم العضوية بنسبة 50% حتى يفوز الفريق بدوري أبطال أوروبا مجدداً، وطرح 10,000 تذكرة موسمية عبر نظام القرعة لإنهاء قوائم الانتظار الطويلة.
و وفقاً لآخر استطلاع رأي أجرته صحيفة “ماركا” الإسبانية بمشاركة أكثر من 130 ألف عضو، فإن 64% يعتقدون أن فلورنتينو بيريز هو الأقرب للفوز بحكم العاطفة والتاريخ، بينما يميل 36% للمرشح الشاب إنريكي ريكيلمي.
لكن المثير في الاستطلاع أن 57% من المشاركين عبروا عن تفضيلهم لبرنامج ريكيلمي الرياضي (رودري، هالاند، راؤول) مقارنة بخيار مورينيو الذي يراه البعض خطوة إلى الوراء، مما يعني أن الساعات القليلة القادمة قبل فتح صناديق الاقتراع من الساعة 9 صباحاً وحتى 8 مساءً يوم الأحد في صالة كرة السلة بمدينة ريال مدريد، ستكون حاسمة ومشتعلة إلى أقصى حد.
*هل تنتهي حقبة المهندس المدني السبعيني الذي صنع مجد “الغالكتيكوس” واعتاد الفوز بالتزكية، أم ستبدأ حقبة المهندس الصناعي الثلاثيني الذي يجبر الكبار على دخول حلبة الصراع؟* الإجابة بانتظار كلمة “السوسيوس”.



