الانشقاقات عن الدعم السريع.. هل تؤثر على المشهد الميداني لحرب السودان؟

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

وينازع الحدث الكوني الرياضي الحالي المتمثل في مباريات كأس العالم أحداثًا أخرى احتكرت اهتمام العالم لسنوات، ظل المتابع يتنقل بسببها بالإمساك بأجهزة “الريموت كنترول” والانتقال السريع، وباهتمام شديد، من أحداث الجنينة والهلالية وود النورة إلى غزة والضفة الغربية، ثم إلى الجنوب اللبناني، ليعرف مصير هذا العالم المشتعل بالحروب والأزمات.

وما أن تهدأ جبهة قتال إلا وظهرت جبهات أخرى في اليمن وروسيا وأوكرانيا وطهران، والكل على أمل أن يشاهد السلام والتهدئة ونهاية الحروب على شاشات العرض.

السودانيون المكتوون بنيران الحرب ربما كان المونديال القطري هو آخر عهد لهم لمتابعة شاشات العرض الكروي بذهن صافٍ وغير مشغول بعرض الحرب التي انطلقت بعده بشهور، أما الآن فهم يتابعون باهتمام عرضًا لنسخة من مسلسل اسمه “الانشقاقات” داخل مليشيا الدعم السريع، أبطاله سياسيون وعسكريون ومستشارون، وكلهم أمل بأن يكون لذلك علاقة بانتهاء كابوس الحرب، وتتحول بعدها اهتماماتهم إلى جانب الاهتمامات العادية للبشر.

(*) تفكيك نمط الانشقاقات..

وبالضرورة لا يمكن التعاطي مع ظاهرة الانشقاقات داخل قوات المليشيا باعتبارها سلوكًا فرديًا، ولا يرتقي إلى درجة الظاهرة والنمط الذي يستحق الدراسة والتفكيك للوقوف على حقيقة الأمر وتأثيراته.

لا يمكن تجاوز الطبيعة “الدراماتيكية” للانشقاق عن المليشيا في كثير من الحالات التي حدثت، وهذه الطبيعة هي المسؤولة عن حالة “الارتباك” في تحليل وتفسير الانشقاق نفسه، فبينما ينظر له البعض بعين متفائلة جدًا، وتقول بأن ما يحدث هو تمظهر لانهيار وشيك وكامل للمليشيا في مشهدها العسكري والميداني بانسلاخ قيادات عسكرية مؤثرة، ومشهد مشروعها السياسي الموازي في حكومة “تأسيس” الذي اتخذ من مدينة نيالا ثقلًا سياسيًا لأعمال الحكومة، يراه آخرون تعقيدًا إضافيًا في مشهد الحرب يؤدي إلى إطالتها أكثر من قرب نهايتها.

فعلى سبيل المثال، لو تعاملنا مع انشقاق القائد الميداني للمليشيا أبو عاقلة كيكل، والذي لا تستطيع القيادة الميدانية للمليشيا إنكار أن قواته كان لها الفعل المؤثر ميدانيًا وهي إلى جانبها في وقت، وإلى جانب الجيش حاليًا، لأن النتائج على مستوى الميدان توضح كل شيء.

في وقتها قد يقود منهج التحليل “الرغائبي” إلى القول بأن هذا الانشقاق حالة “فردية” لها مبررات تتعلق بالانتماء القبلي والجغرافيا التي لا تدعم الارتباط الكاثوليكي للمنشق بالمليشيا، وهذا طبعًا كذبته قرائن الأحوال باستمرار الانشقاقات لقيادات ميدانية مؤثرة أخرى لا يمكن ربطها بالتبرير أعلاه، مثل انشقاق القائد اللواء النور القبة والقائد السافنا، ما يقودنا للقول بأن هنالك نمطًا متسلسلًا للانشقاقات وليس تعبيرًا عن حالات فردية، وأن لهذه الانشقاقات في الجانب العسكري تحديدًا أسبابًا متعددة يمكن إرجاعها إلى حالة عدم الرضا الداخلي داخل صفوف المليشيا، له علاقة بالموقف العملياتي والخسائر البشرية المتلاحقة، إضافة إلى ضيق دوائر اتخاذ القرار وحصرها بأيدٍ محددة، إضافة إلى مشكلات الصرف المالي على القوات وتناقص التمويل وضعف سلاسل الإمداد في الميدان، ما أضعف اليد القابضة لقيادة المليشيا وأفقدها عوامل السيطرة الكاملة.

وفي وقت من الأوقات، لو تعاملنا مع الخطاب القبلي كواحد من روافع خطاب المليشيا وأحد أهم أدواتها للحشد على مستوى الميدان، فإن ذات العامل في وقت من الأوقات، ولأخطاء في التقديرات الميدانية، مثل “الهجوم على دامرة مستريحة”، دفعت المليشيا تكلفة ذلك غاليًا من تماسكها بانشقاق قيادات ميدانية لم تستطع التغطية على آثاره عبر الخطاب الإعلامي، والمؤكد هو أن ذلك أدى إلى خلخلة قناعات الكثيرين داخل المليشيا وهز ثباتهم في أرض الميدان، والأكثر من ذلك هو أن هذه الانشقاقات أبقت الباب مفتوحًا أمام المزيد من الانشقاقات لقيادات ميدانية أخرى، خاصة بعد عجز قيادات المليشيا عن السيطرة على الصراعات القبلية التي ضربت الصفوف مؤخرًا.

بالمقابل، فإن المليشيا ومنذ البداية كانت على قناعة بأن بناء مشروعها بالكامل على فرض واقع عسكري على الأرض ليس كافيًا لإكمال المشروع، وبالتالي سعت حثيثًا لإنشاء مشروع سياسي تقدمه للمجتمع الإقليمي والدولي مثلها مثل تجارب كثيرة في السياسة السودانية، وهذا بالضرورة يتطلب وجوهًا سياسية غير تلك التي ظهرت في الميدان، ويصعب تسويقها في الفضاء السياسي والمدني لدعم المشروع السياسي، ليجيء انشقاق فارس النور عن المليشيا، وهو عضو أعلى هيئة في مشروع المليشيا بواجهتها السياسية “تأسيس”، ليشكل الجانب الآخر في مشهد الانشقاقات داخل المليشيا، والذي يؤثر كثيرًا على قراءة ورقة المليشيا السياسية.

وبذات الطريقة التي فككنا بها تأثير الانشقاقات العسكرية، فإن البداية التي بدأها عضو المجلس الرئاسي لحكومة تأسيس يبدو أنها لن تتوقف عند هذه النقطة، بسبب أن المشروع السياسي نفسه لتأسيس قد تم بناؤه على عجل ليضم إليه المغاضبين لمشروعات سياسية أخرى، إلى جانب من انتصر بداخلهم المشروع القبلي على المشاريع السياسية التي كانوا ينتمون إليها، أو كان انضمامهم لمشروع تأسيس نتاجًا لحالة يأس سياسي كبيرة دفعتهم للقفز في ظلام مشروع سياسي مرهون بنتائج فوهات السلاح.

هذا النوع من الارتباط السياسي تعلم قيادات المليشيا بأنه ارتباط غير وثيق وقابل للكسر في أي لحظة من لحظات التحول الكثيرة في هذا المشهد المتحرك، وأن الباب مفتوح أمام أكثر من فارس ليترجل من على صهوة جواد البندقية.

هنالك عامل مهم لا يمكن تجاوز تأثيره في ظاهرة الانشقاقات للقادة الميدانيين أو حتى السياسيين، ألا وهو الطبيعة والطريقة التي تم بها تشكيل حكومة تأسيس، وهي محاصصة يرى المقاتلون في الميدان بأنهم دفعوا تكلفتها وحدهم، ولا يستحق السياسيون، بالذات القادمون من “حواضن” سياسية، ولا يمثلون الحواضن الاجتماعية التي تعتبر أنها صاحبة الأولوية في مشروع حكومة تأسيس.

هذا إضافة إلى أن طول أمد الحرب وارتفاع تكاليفها وطول الانتظار لغنائمها شكّل البيئة المناسبة للانشقاق، وأصبحت المهارات الفردية هي الطريقة المثلى للوصول إلى المكاسب، بما فيها الانشقاق.

وكذلك نرى بأن هنالك عددًا من الأسباب دفعت باتجاه تزايد هذا النمط من الانشقاقات، والتي بالتأكيد سيكون لها الأثر البالغ في بقاء المليشيا من عدمه، خاصة في ظل عدم اتخاذها لأي استراتيجية بديلة للتعامل مع هذه الظاهرة بغير خطاب إنكار التأثير وتخوين المنشقين، وهذا يدل على أن قيادة المليشيا حتى الآن تتعامل مع هذه الانشقاقات على أساس أنها غير مؤثرة على الموقف العام.

هذه الانشقاقات يمكن قراءتها أيضًا من زاوية الانتقالات التي حدثت على مستوى الميدان وتحول مركز الثقل للعمليات العسكرية لولايات كردفان، وارتباط القيادات المنشقة بمناطق الإمداد والتحركات العسكرية، وهنا تصبح قيمة القيادات المنشقة ليست في عددهم بقدر ما أن ذلك مرتبط بقيمة المعلومات والشبكات الاجتماعية والقبلية المرتبطة بهم والتي يغادرون بها، وهذا يمنح الطرف الآخر “الجيش” ثقلًا استخباريًا مؤثرًا على مستوى الميدان.

شيء آخر مهم ومؤثر على مستوى قراءة الميدان بشكله العام في المواجهة مع المليشيا، وهو تزايد الضغوط الدولية باتجاه الحل السياسي للأزمة، والانشقاقات في حالة من حالاتها تمثل عملية “إعادة تموضع” يسابق بها المنشقون الزمن لتحصيل مواقف أفضل من التي هم عليها، في ظل قرارات وعقوبات في قضايا الارتباط بها حتى النهاية يعني الانتحار سياسيًا والتضحية بالمستقبل السياسي.

لا يمكن إسقاط موضوع الانشقاقات من حسابات الربح والخسارة لطرفين بينهما مواجهات عسكرية في الميدان، وأن الانشقاقات الأخيرة في صفوف المليشيا جزء من الحرب النفسية المؤثرة على تماسك القوات وصلابتها، وبالتالي لا يمكن إنكار تأثيرها الكبير على مشهد الحرب وتوازناتها.

(*) الانشقاقات.. هل هي مؤشر للانهيار؟

والتعامل المنطقي والموضوعي مع هذه الظاهرة يقول بأنها قد تكون مؤثرة وكبيرة، ولكن بالضرورة لا يمكن الجزم بأنها المؤشر الوحيد الذي يمكن اعتماده لانهيار كامل في المليشيا، والتجربة السودانية نفسها لا تعتبر ظاهرة الانشقاقات السياسية والعسكرية ظاهرة جديدة عليها، والتاريخ السياسي في السودان سجل لحالات مثل التي تحدث الآن، إلا أنها لم تكن حاسمة لنهاية مشروعات عسكرية وسياسية كثيرة عرفتها السياسة والحرب في السودان.

الانهيار التام مرتبط بعوامل محددة وذات تأثير مباشر، مثل فقدان السيطرة على القيادة والقرار، وهذا ما لم يحدث حتى الآن في الحالة التي نتعامل معها الآن، إضافة إلى انقطاع سلاسل الإمداد والتسليح، وهو الأمر الذي لا تزال المليشيا لم تفقد شرايينه الرئيسية حتى الآن، وما زالت لديها أبواب مفتوحة تبقي على قدرتها في الاستمرار في القتال لأطول فترة ممكنة.

كذلك لم تفقد المليشيا بعد قدرتها على تعويض الفاقد من المكون البشري، سواء بالاستقطاب القبلي أو الاستفادة من القدرة المادية لاستجلاب “المرتزقة”، وبالتالي لم يظهر بعد التأثير المباشر للانشقاقات في الانهيار الكامل.

تصبح الانشقاقات مؤشرًا للانهيار حال انتقالها إلى الدوائر الضيقة والقريبة جدًا من القيادة العليا في المليشيا، وحال تنامي التوترات المؤدية للانشقاق لتصبح عملًا منظمًا يضم مجموعات وليس أفرادًا، وتنتقل عدوى الانشقاق إلى دوائر اتخاذ القرار.

عمومًا، الانشقاقات لا تسقط الجيوش ولا تنهي الحروب، ولكنها بالضرورة تكشف ما يدور بداخلها، وقد لا تكون مؤشرًا لانهيار الدعم السريع، ولكنها مؤشر قوي إلى أن طول الحرب بدأ يستنزف مواردها، وأنها مؤشر لتآكل تماسكها السياسي والعسكري، والذي بالضرورة ستظهر نتائجه في الميدان وليس فقط بقراءة بيانات الاستقالة والانشقاق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى