م. محمد عبد اللطيف هارون يكتب: ​يوم النوبة العالمي 7/7

​”حين يرتفع صوت الطنبور في شتات الأرض، تولد ضفاف النيل من جديد؛ فالنوبة نبض إنساني متجدد يرفض النسيان والاستسلام للزمن.”

 

​تتحول منصات العواصم الكبرى وساحات المهاجر البعيدة في السابع من يوليو كل عام إلى امتداد حيوي لضفاف النيل، حيث يلتف النوبيون في شتى بقاع الأرض حول هويتهم الفريدة في تظاهرة ثقافية عالمية تفيض بالبهجة والأمل. يفيض هذا اليوم بالتغريدات والتدوينات والألحان التي تنقل عبقرية الطيبة النوبية وبساطتها من البيوت المشيدة بالطين والزخارف النيلية إلى فضاءات الحداثة، ليكون هذا التاريخ بمثابة عيد رمزي يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية، ويلتقي فيه الجيل الجديد بالقديم ليرددوا معاً ترانيم البقاء، مؤكدين للعالم أن الحضارة التي وهبت البشرية أولى ملامح الاستقرار ما زالت تنبض بالحياة والإبداع والسلام.

​جاء هذا الاختيار السنوي المتفرد في عام 2004 بفضل مبادرات نوبية مستقلة وجاليات واعية قادها باحثون ومفكرون أدركوا ضرورة إيجاد مساحة زمنية تجمع شتات الذاكرة، ولم يكن اختيار السابع من الشهر السابع محض صدفة أو تدبير عابر، بل هو استدعاء واعٍ لرموز الموروث الشعبي القديم. يسكن الرقم سبعة في الوجدان النوبي كتميمة للحياة والبركة، فهو رفيق طقوس الولادة حين تغسل الأم وجه مولودها بمياه النيل سبع مرات في يوم سبوعه، وهو ركيزة طقوس الأفراح التي تمتد لسبع ليالٍ تقفز فيها العروس فوق مبخرة المحبة لترد الحسد، وهو كذلك جدار الصبر المعنوي في المآتم التي تستمر سبعة أيام، ليصبح التاريخ بحد ذاته مرآة تعكس أدق تفاصيل الحاضرة النوبية في سلوكها اليومي.

​تتجاوز القيمة الحقيقية لهذا اليوم فكرة الاحتفال الفلكلوري العابر لتصل إلى عمق التراث العالمي، كمنصة لرد الاعتبار التاريخي لحضارة واجهت الكثير من التهميش ومحاولات الطمس عبر العصور. إن إعادة إحياء اللغات النوبية القديمة بنغمتيها “النوبين” و”الأنداندي” في هذا اليوم، والاحتفاء بالعمارة الهندسية الفريدة القائمة على المثلثات والألوان الطبيعية، يمثلان صرخة بقاء في وجه العولمة، ودعوة مفتوحة للبشرية ليتعلموا من أمة صاغت ملاحمها بالتسامح والتعايش السلمي تحت شعارهم الخالد الذي يتردد اليوم في كل المحافل: “نوبه مَليّ سَلام”.

​تمتد جذور هذه الهوية في شريط كوني ساحر يربط شمال السودان بجنوب مصر، متجاوزاً خطوط الحدود المصطنعة ليعلن أن النوبة وطن روحي وتاريخي لا يتجزأ، يبدأ من شلالات أسوان ويمتد عبر وادي حلفا وسكوت والمحس وصولاً إلى دنقلا بالولاية الشمالية. في هذه الرقعة الجغرافية المعطاءة، تشكلت ملامح حضارة “كوش” العظيمة التي تضرب في عمق التاريخ لأكثر من سبعة آلاف عام قبل الميلاد، حيث تؤكد الآثار والمكتشفات في “كرمة” أن النوبيين أسسوا مجتمعات مدنية متكاملة ومتقدمة في فنون العمارة والزراعة والتعدين، وصاغوا بعبقريتهم أولى أبجديات التنظيم السياسي والاجتماعي في إفريقيا.

​وتتجلى عظمة هذا الامتداد التاريخي في تلك الحقب الذهبية التي قادت فيها النوبة دفة الحكم في وادي النيل بأكمله، لا سيما خلال عهد الأسرة الخامسة والعشرين التي عُرف ملوكها بالفراعنة السود، حيث استطاع قادة عظام مثل “بعنخي” و”تهارقا” توحيد الأرض وإرساء دعائم إمبراطورية مهيبة. وتظل أهرامات البجراوية وجبل البركل في السودان شواهد حية تتحدى الزمن وتفوق في عددها أهرامات مصر، معلنة عن مدرسة هندسية وعقائدية نوبية خالص، تنطق ببراعة قوم أطلق عليهم القدماء اسم “تا سيتي” أو أرض الأقواس لشدة مهارتهم في الرماية وحماية حدود الوادي من الطامعين.

​ومع تبدل العصور وتحول الممالك النوبية القديمة إلى المسيحية ثم دخولها السلس والتلقائي إلى الإسلام، حافظ الإنسان النوبي على جوهره النبيل، ممتصاً الثقافات الجديدة دون أن يفقد لغته أو خصوصيته الثقافية الملهمة. إن يوم النوبة العالمي في السابع من يوليو يمثل لوحة إنسانية حية، تعيد تذكير العالم بأن الحضارة تُقاس بنبل القيم وصمود الإنسان الذي هُجّر من أرضه مرات ومرات، لكنه حمل نيله في قلبه، وظل يزرع النخيل، ويغني للحب والسلام، معلناً للعالم أجمع أن النوبة فكرة خالدة تعبر الأزمان والحدود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى