إعفاء على الورق.. من يضبط سوق الطاقة الشمسية في السودان؟

اختبار جديد لمصداقية السياسات الاقتصادية في البلاد 

في مشهد يعكس حجم التداخل الذي يحيط بالسياسات المرتبطة بقطاع الطاقة الشمسية في السودان جاء إعلان قوات الجمارك إعفاء منظومات الطاقة الشمسية من الرسوم الجمركية بعد أسابيع قليلة من بيان توضيحي صادر عن الجهاز الفني لتنظيم ورقابة الكهرباء، التابع لوزارة الطاقة بشأن الرسوم المفروضة على استيراد هذه المعدات ليطرح تساؤلاً أوسع حول مدى التنسيق بين الجهات المعنية بالملف في وقت لا تزال فيه أزمة الكهرباء تُثقل كاهل الأسر السودانية.

باحث اقتصادي لـ”العودة: 

” %70 من قيمة الإعفاء ستبتلعها حلقات الوسطاء”

“الإعفاء استثماري.. وليس استهلاكياً”

“بدون رقابة.. الإعفاء حافز يجذب الفاسدين”

“فقدان الثقة أخطر من القرار الجمركي نفسه”

“القرار يعالج المنازل.. لا يعالج الشبكة القومية”

“5 أو 6 شركات كبرى تتحكم في السعر”

“تجربة 2021 انتهت بعد 4 أشهر فقط”

“الكلفة الأولية ستظل خارج متناول غالبية الأسر”

العودة: نشوة أحمد الطيب 

 

أعلنت قوات الجمارك السودانية عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك إعفاء منظومات الطاقة الشمسية بالكامل من الرسوم الجمركية في خطوة تأتي وسط أزمة كهرباء متفاقمة تعيشها البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وشمل الإعفاء بحسب البيان المصور الذي نشرته الجمارك مختلف مكونات المنظومة الشمسية من الألواح الكهروضوئية إلى وحدات التحكم في الشحن والمحولات (الإنفرترات) والبطاريات دون استثناء أي من هذه المدخلات من نسبة الإعفاء.

“أزمة كهرباء غير مسبوقة”

 

يأتي هذا الإعلان في وقت تصف فيه وزارة الطاقة السودانية أزمة الإمداد الكهربائي الحالية بأنها ليست انقطاعات مؤقتة بل نتيجة مباشرة لحجم الدمار الذي أصاب الشبكة القومية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 وتشير تقديرات القطاع إلى أن الخسائر المالية الناجمة عن تدمير البنية التحتية للكهرباء تجاوزت ثلاثة مليارات دولار.

وتصل ساعات انقطاع التيار في عدد من الولايات إلى ما يقارب عشرين ساعة يومياً في بعض المناطق و فيما لا تزال بعضها مقطوعة عنها الكهرباء بالكامل وهو ما تفاقم مؤخراً مع موجة حر غير مسبوقة تجاوزت فيها درجات الحرارة 44 درجة مئوية في عدة ولايات ما ضاعف الضغط على المحولات والشبكات المتهالكة أصلاً.

كما أسهم قطع إثيوبيا الإمداد الكهربائي عن السودان في تعميق الأزمة خلال الأسابيع الأخيرة ، وتزامن الإعلان عن قرار الإعفاء مع تطور ميداني يعكس هشاشة الشبكة القومية بصورة مباشرة إذ أعلنت وزارة الطاقة والنفط يوم السبت الأول من أغسطس الجاري خروج محطة توليد كهرباء سد مروي عن الخدمة بالكامل إثر اندلاع حريق في عدد من كوابل المحطة تسبب في تلف كبير بالمغذيات الرئيسية لخطي النقل (مروي – المرخيات) و(مروي – عطبرة). وأدى هذا العطل إلى انقطاع شبه تام للتيار الكهربائي في أربع ولايات رئيسة هي الخرطوم ونهر النيل والشمالية والبحر الأحمر. وأوضحت الوزارة أن الفحص الفني أظهر أن إصلاح الأعطال سيستغرق عدة أيام بعد أن فشلت محاولات أولية لإعادة تشغيل المحطة عبر محولات بديلة ما اضطر الفرق الفنية إلى استبدال الكوابل التالفة بالكامل وفتحت الوزارة تحقيقاً لمعرفة أسباب الحريق.

هذه الحادثة التي وقعت قبل أيام قليلة فقط من إعلان الجمارك إعفاء منظومات الطاقة الشمسية تقدّم مثالاً حياً على الطابع المتكرر والمفاجئ لأعطال الشبكة القومية وتعزز الحجة القائلة بأن اللجوء إلى مصادر طاقة بديلة ولامركزية لم يعد خياراً ترفيهياً بل ضرورة ملحة في ظل شبكة عرضة للانهيار الجزئي في أي لحظة.

هذا الواقع دفع أعداداً متزايدة من الأسر والمنشآت الصغيرة إلى التوجه نحو الطاقة الشمسية كبديل شبه دائم وليس حلاً مؤقتاً خصوصاً في المناطق التي لم تعد تصلها الكهرباء الحكومية أصلاً بعد سنوات من النزوح والدمار. غير أن كلفتها لا تزال عائقاً أمام كثير من الأسر إذ تتراوح أسعار المنظومات الشمسية بين خمسة وعشرة ملايين جنيه سوداني بحسب السعة أي ما يعادل نحو ألف دولار أميركي في حدها الأدنى.

 هل ينعكس الإعفاء فعلياً على المواطن؟

في هذا السياق قال الباحث الاقتصادي محمد عنتر في حديث لـ”العودة” إن الأسعار لن تتأثر بالانخفاض في المدى القصير والمتوسط نظراً لوجود مخزون لدى التجار سبق أن دُفعت جماركه قبل صدور القرار وأضاف أن الأسعار ستظل ثابتة في المدى الطويل أيضاً لأنها ستكون محكومة بالسياسات المالية والنقدية غير المواتية أكثر من كونها محكومة بقرار الإعفاء نفسه.

وفيما يتعلق بمدى وصول أثر الإعفاء إلى المواطن مباشرة أوضح عنتر أن حلقات الوسطاء ستمتص نحو 70% من قيمة الإعفاء تقريباً وهو ما حدث بالفعل في تجربة عام 2021 لثلاثة أسباب أولها الاحتكار إذ تسيطر خمس أو ست شركات كبرى على الاستيراد وتتحكم في السعر ، وثانيها ارتفاع تكلفة ما بعد الميناء من نقل وتخزين وتمويل وسعر الدولار وهي جميعاً لا تزال مرتفعة، وثالثها غياب أي جهة تحدد سقفاً للسعر بعد الإعفاء.

وشدد عنتر في حديثه على أنه لكي ينعكس الإعفاء مباشرة على المواطن لا بد من الإلزام بالفاتورة ونشر قائمة أسعار استرشادية وفتح منافذ بيع حكومية.

سوابق وتضارب في التنظيم

لم يكن هذا الملف بمنأى عن التقلبات التنظيمية فقد أصدرت حكومة رئيس الوزراء الأسبق عبدالله حمدوك عام 2021 قراراً مشابهاً بإعفاء مدخلات الطاقة الشمسية من الرسوم والضرائب قبل أن تُعاد هذه الرسوم تدريجياً لاحقاً وحول أسباب تعثر ذلك القرار أرجعه عنتر إلى أربعة عوامل: التضارب بين الجهات، إذ كانت وزارة المالية تعفي المنظومات فيما كان بنك السودان يصنفها ضمن “السلع غير الأساسية” ويطلب عليها سعر دولار تجاري مرتفع والتهرب الجمركي حيث دخلت معدات صُنفت “ملحقات” غير مشمولة بالإعفاء ودُفعت عليها رسوم رفعت سعر المنظومة كاملة وغياب المواصفات ما سمح بدخول ألواح وبطاريات من فئة الخردة تحت مسمى الطاقة الشمسية وأضر بسمعة السوق وأخيراً عدم استمرارية القرار الذي أُلغي بعد أربعة أشهر فقط بسبب الضغط على الإيرادات.

وفي 15 يوليو 2026 أي قبل أسابيع من إعلان الإعفاء الجمركي أصدر الجهاز الفني لتنظيم ورقابة الكهرباء، التابع لوزارة الطاقة بياناً وضّح فيه أن رسوم الفحص الفني والرقابة على معدات الطاقة الشمسية وهي منفصلة عن الرسوم الجمركية ولا تندرج ضمن الإعفاء المعلن لاحقاً ليست مستحدثة بل معمول بها منذ أكثر من ثلاث سنوات وأنها رمزية مقارنة بقيمة المعدات المستوردة إذ تبلغ رسوم فحص الخلية الشمسية الواحدة ألف جنيه مقابل قيمة سوقية تتجاوز 350 ألف جنيه. وأوضح البيان أن هذه الرسوم تأتي في إطار مواجهة تدفق كميات كبيرة من المعدات المستعملة أو غير المطابقة للمواصفات عبر المنافذ الحدودية، ما ألحق أضراراً مادية وفنية بالمستهلكين.

وكشف البيان عن تشكيل لجنة عليا برئاسة الجهاز وعضوية الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس والإدارة العامة لقوات الجمارك ووزارة الصناعة والتجارة اعتمدت ضوابط جديدة تشمل حظر استيراد المعدات المستعملة واشتراط موافقة فنية مسبقة قبل التخليص، وإخضاع جميع الشحنات للفحص الفني وأشار البيان أيضاً إلى وجود “تفاوت كبير” بين الكميات الداخلة فعلياً إلى الأسواق والكميات التي استكملت الإجراءات الرسمية، وهو ما استدعى تشديد الرقابة.

وحول الضمانات المطلوبة لتفادي تكرار سيناريو 2021 رأى عنتر أن ذلك يستلزم قراراً موحداً يصدر عن مجلس الوزراء بالتنسيق بين وزارة المالية والجمارك وبنك السودان في نشرة واحدة ومدة زمنية واضحة لا تقل عن ثلاث سنوات لطمأنة المستثمر إلى جانب اشتراط شهادة مطابقة إلزامية من هيئة المواصفات قبل التخليص الجمركي.

خسارة إيرادات أم استثمار مؤجل؟

 

وعن حجم الإيرادات الجمركية التي ستخسرها الدولة قدّر عنتر أنه إذا دخل السودان نحو 50 ألف منظومة منزلية سنوياً بمتوسط ألف دولار للمنظومة الواحدة أي ما يعادل 50 مليون دولار من الواردات فإن الدولة ستخسر نحو 10 ملايين دولار من رسوم الجمارك وعشرة ملايين أخرى من الرسوم المتنوعة غير أنه اعتبر أن هذه الخسارة مقابلة بوفورات أخرى تشمل كلفة وقود المولدات الحكومية ودعم الكهرباء وخسائر الاقتصاد الناجمة عن الانقطاعات المتكررة.

وخلص إلى أن هذا الإعفاء “استثماري” في طبيعته وليس “استهلاكياً “وأنه إذا وُجّه بالشكل الصحيح فإنه سيعود على الدولة بأضعاف قيمته.

أما بشأن قدرة المواطن العادي على الاستفادة الفعلية من الإعفاء، فأوضح عنتر أن الكلفة الأولية للمنظومات ستظل خارج متناول غالبية الأسر بسبب ارتفاع تكلفة التمويل التي تصل إلى نحو 30% إضافة إلى محدودية سقف التمويل المتاح وطول فترة الاسترداد وصعوبة تقديم الضمانات المطلوبة.

إجراء تخفيفي لا حل هيكلي

ويرى محمد عنتر أن القرار رغم أهميته يظل إجراءً تخفيفياً وليس حلاً هيكلياً للأزمة لأنه يعالج احتياجات المنازل والشركات الصغيرة فقط دون أن يمس جوهر مشكلة الشبكة القومية.

وأضاف أن الحل الهيكلي الحقيقي يتمثل في إنشاء محطات طاقة شمسية كبرى بقدرة 500 ميغاواط مرتبطة بالشبكة العامة مزودة بأنظمة تخزين إلى جانب إصلاح شبكات النقل وهو ما يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وتمويلاً أجنبياً.

تعدد الجهات: أزمة تنسيق أم أزمة ثقة؟

وفي قراءته لتعدد الجهات المعنية بالملف (الجمارك ووزارة الطاقة وبنك السودان ووزارة المالية) وتباين مواقفها اعتبر عنتر أن ذلك يعكس ثلاث مشكلات هيكلية غياب التنسيق بين الجهات حيث تنظر وزارة المالية إلى الملف من زاوية الإيرادات بينما تنظر وزارة الطاقة إليه من زاوية الرقابة على الجودة وتنفذ الجمارك قراراتها بمعزل عن الطرفين وضغط جماعات المصالح المرتبطة بتجارة المولدات والوقود من جهة ومنظمات المجتمع المدني الداعية لتيسير الطاقة البديلة من جهة أخرى وغياب رؤية متكاملة لسياسة الطاقة ما يجعل القرارات ردة فعل للأزمة أكثر من كونها جزءاً من خطة معلنة.

وشدد على أن النتيجة الأخطر لهذا التشتت هي تراجع ثقة المستثمر والتاجر والمواطن في مسار القرار معتبراً أن ذلك أخطر من مضمون القرار الجمركي نفسه.

تكرر سيناريو المعدات الرديئة !

وحول مخاوف تكرار تدفق معدات رديئة أو مستعملة كما حدث سابقاً اعتبر عنتر أن هذه المخاوف قائمة بالكامل وهي الدرس الأكبر المستفاد من تجربة 2021 وأوضح أنه دون رقابة صارمة يتحول الإعفاء إلى حافز لدخول ألواح مستعملة من أوروبا وبطاريات سيارات معاد تعبئتها، ومحولات تجارية غير مصممة لتحمل درجات الحرارة المرتفعة في السودان. ورأى أن الحل يكمن في إلزام هيئة المواصفات والمقاييس بفرض شهادة المطابقة الدولية (IEC) على الألواح واشتراط ضمان لا يقل عن خمس سنوات على البطاريات إلى جانب إجراء فحص فني في الميناء قبل التخليص الجمركي ومصادرة أي حاوية مخالفة للمواصفات وهو ما يتقاطع فعلياً مع الضوابط التي سبق أن أعلنها الجهاز الفني لتنظيم ورقابة الكهرباء في يوليو الماضي.

الجدير بالذكر أن قوات الجمارك لم تحدد تاريخاً لبدء سريان الإعفاء أو الإجراءات التنفيذية المصاحبة له في نقاط الدخول والتفتيش الجمركي ولم يتضح بعد كيف سيطبق الإعفاء الجمركي الجديد بالتوازي مع ضوابط الفحص الفني القائمة أصلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى