السيادة لا تُكتب في بيانات الآخرين

هوامش السيادة
السيادة لا تُكتب في بيانات الآخرين
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
□ للدول سيادةٌ تُصان بالقرار، وتُحمى بالمؤسسات، وتُختبر في اللحظات التي تتزاحم فيها المبادرات الخارجية على رسم مستقبلها. وفي أزمنة الأزمات، لا يكون السؤال كم اجتماعًا عُقد، ولا كم بيانًا صدر، بل مَن يملك الكلمة في شأن الوطن، وهل تتحول المساعدة الدولية إلى جسرٍ نحو الحل، أم إلى نافذةٍ تتسلل منها الوصاية؟
□ في جنيف، تتجدد الاجتماعات الرامية إلى تنسيق مبادرات السلام بشأن وطننا، وتتحرك الوفود بين قاعات التشاور بحثًا عن صيغة توقف الحرب وتفتح الطريق أمام التسوية. غير أن غياب القوات المسلحة عن الاجتماع التشاوري يضع أمام الوسطاء سؤالًا جوهريًا عن حدود ما تستطيع المؤتمرات إنجازه بعيدًا عن أصحاب القرار الوطني. فاجتماعات التنسيق قد توحّد المبادرات، لكنها لا تمنح أحدًا تفويضًا مفتوحًا للتحدث باسم وطنٍ له مؤسساته ومصالحه وحقه في تقرير مستقبله.
□ والمؤسسة العسكرية الوطنية ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه في حسابات التسوية؛ فهي جزء أصيل من بنية الدولة، وعنوانٌ من عناوين سيادتها. أما مليشيا آل دقلو، التي تواجه الدولة بالسلاح، فلا يجوز أن تتحول مقتضيات التفاوض إلى مسوّغٍ لمحو الفارق بين مؤسسةٍ وطنية ومليشيا مسلحة. والبحث عن السلام لا يعفي الوسطاء من مسؤولية فهم طبيعة الأزمة، ولا يمنحهم حق اختزالها في معادلاتٍ جاهزة تتساوى فيها المواقع والصفات.
□ إن أخطر ما يمكن أن يصيب القرار الوطني أن يصبح رهينًا لإيقاع العواصم، ينتظر ما تقرره غرف التفاوض قبل أن يحدد أولوياته. العلاقات الدولية لا تُدار بالعاطفة وحدها، كما لا تُدار بالقطيعة مع العالم؛ بل بميزانٍ دقيق يجمع المصالح، ويقرأ موازين القوة، ويصون استقلال القرار. ومن حق وطننا أن يستفيد من كل جهدٍ صادق يوقف نزيف الدم، ومن واجبه في الوقت نفسه أن يحرس قراره من أي محاولةٍ لتحويل الوساطة إلى وصاية.
□ وفي هذا السياق، تظل قضية التدخلات الخارجية امتحانًا لا يقل أهمية عن مسارات التفاوض. فالسلاح الذي يصل من وراء الحدود، والتمويل الذي يطيل أمد المواجهة، والحسابات الإقليمية التي تجعل من أرضنا ساحةً لتصفية المصالح، كلها عوامل تُبعد السلام عن موعده. ولن تستقيم أي تسويةٍ ما لم تقترن بمعالجة أسباب استمرار الحرب، واحترام وحدة الدولة، ووقف كل دعمٍ يمد المليشيا بأسباب البقاء والتمدد.
□ والسيادة، في معناها الأعمق، مسؤوليةٌ قبل أن تكون شعارًا. فالدولة التي تطالب العالم باحترام قرارها مطالبةٌ أيضًا بتقوية مؤسساتها، وتحسين حياة مواطنيها، وصون حقوقهم، وتقديم نموذجٍ يجعل الانتماء الوطني مصدر ثقةٍ لا مجرد واجب. لا تكفي لغة الاستقلال إذا ظل المواطن يفتش عن الأمان والدواء ولقمة العيش؛ فهذه جميعها من صميم السيادة، لأن الدولة تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان كما تُقاس بقدرتها على حماية الحدود.
□ وليس المطلوب إغلاق أبواب السلام، بل فتحها على أساسٍ يحفظ كرامة وطننا وحق شعبنا في مستقبلٍ يختاره بإرادته. فالمبادرات التي تحترم الدولة يمكن أن تكون عونًا، أما المبادرات التي تتجاوزها فتظل ناقصة الشرعية مهما اتسعت قاعاتها وكثرت وفودها. وبين الدبلوماسية التي تمد يدها للمساعدة والوصاية التي تمد يدها إلى القرار، مسافةٌ لا يجوز أن تضيع في زحام البيانات.
*ولهوامش السيادة كلمة:*
السلام الذي لا يحفظ القرار الوطني يترك أبواب الأزمة مواربة، والسيادة التي لا تجد ترجمتها في أمن المواطن وكرامته تظل معنىً ينتظر اكتماله. نريد سلامًا يوقف الحرب، ودبلوماسيةً تعرف حدود دورها، ودولةً تملك قرارها؛ فالأوطان قد تحتاج إلى أصدقاء يعينونها على النهوض، لكنها لا تحتاج إلى مَن ينوب عنها في امتلاك مستقبلها.



