حرب “السلوپاغاندا” الإيرانية

البعد الخامس

*الجزء الثالث*

*السودان من الحرب المنسية إلى الحرب المرئية*

*بقلم: صباح المكي*

bitalmakki@gmail.com

*حين يعجز الإعلام السائد*

إذا كان الجزءان السابقان قد تناولا “السلوپاغاندا” الإيرانية بوصفها نموذجًا جديدًا في حرب السرديات، فإن قيمتها التحليلية لا تقف عند التجربة الإيرانية ذاتها، بل تمتد إلى ما تكشفه من انقلاب أعمق في إعلام الحروب: لم تعد الرواية حكرًا على القناة الأكبر، ولا المعنى أسير البيان الرسمي، ولا صورة الضحية أو اسم المعتدي امتيازًا تحتكره الصحافة التقليدية.

في زمن المنصات، تتحرك السرديات عبر مسارات جديدة: مقطع قصير، أغنية راب، شهادة مصورة، خريطة تفاعلية، تصميم بصري، ميم ساخر، تعليق ذكي، أو صوت مولّد بالذكاء الاصطناعي يعيد تقديم مأساة معقدة بلغة يفهمها جمهور عالمي سريع الحركة. وهنا تحديدًا يصبح السؤال السوداني أكثر إلحاحًا: إذا كان الإعلام السائد قد دفع حرب السودان إلى الهامش، وسمّاها “حربًا منسية”، واختزلها في عبارات باردة مثل “حرب أهلية” أو “صراع بين جنرالين”، متجاهلًا محرّضي الحرب ومموّليها وداعمي المليشيا، وفي مقدمتهم الإمارات، فهل يبقى السودانيون أسرى هذا التوصيف، أم ينتجون سرديتهم بأدواتهم، وبلغات العالم، ومن خارج بوابات الإعلام التقليدي؟

*من الإعلام السائد إلى الإعلام غير التقليدي*

لم تعد الحروب الحديثة تُروى عبر القنوات الكبرى والصحف الدولية وحدها. فقد كسرت المنصات الرقمية احتكار الصورة، وفتحت المجال أمام الشهود، والمصورين، والصحفيين المستقلين، والأطباء، والناجين، والفنانين، والناشطين، وصنّاع المحتوى، ليصبحوا جزءًا من معركة السردية لا مجرد شهود على هامشها. وفي كثير من الحروب، لم تعد اللقطة الأكثر تأثيرًا هي تلك التي تأتي من غرفة أخبار كبرى، بل التي يلتقطها شخص من قلب المأساة، أو يحوّلها فنان إلى أغنية، أو يصوغها شاب في مقطع قصير يختصر ما تعجز عنه التقارير الطويلة.

وقد ظهر ذلك بوضوح خلال حرب غزة، حيث لعب الإعلام غير التقليدي دورًا جوهريًا في كسر الحصار السردي. لم تأتِ كل الصور المؤثرة من الإعلام السائد، بل من هواتف الصحفيين الميدانيين، والأطباء، والناجين، والحسابات الشبابية، والشهادات المباشرة، والمواد البصرية التي تحولت إلى ذاكرة جماعية عابرة للغات. لقد صار الهاتف، في لحظات كثيرة، شاهدًا أقوى من الاستوديو، وصار المقطع القصير أقدر على خلق الصدمة الأخلاقية من بيان سياسي طويل.

ولا يعني ذلك أن الإعلام غير التقليدي بديل كامل عن الصحافة المهنية، أو أن السرعة تغني عن التحقق. لكنه يعني أن ميدان السردية اتسع. فالصحافة التقليدية ما زالت ضرورية في التوثيق، والتحقيق، والتحليل، والمساءلة، لكنها لم تعد وحدها صاحبة الحق في قول ما حدث. وحين تتأخر، أو تتردد، أو تخضع لحسابات سياسية، يصبح الإعلام غير التقليدي قوة تصحيحية، لا مجرد هامش رقمي.

*السودان: الحرب التي دُفعت إلى النسيان*

في الحالة السودانية، لا تكمن المشكلة في أن الحرب لم تجد ما يكفي من الاهتمام فحسب، بل في أن طريقة عرضها عالميًا ساهمت في طمس طبيعتها. لم تكن مأساة السودان “حربًا منسية” بالمعنى البريء للكلمة، بل حربًا دُفعت إلى النسيان: وُضعت في خانة الحرب الأهلية، ونُزعت عنها أبعاد الغزو بالوكالة، والتدخل الخارجي، وتمويل المليشيا، وتفكيك الدولة. وفي الوقت نفسه، جرى تقديم الإمارات في ثوب صانع السلام، رغم أنها، في جوهر هذه السردية، لم تكن طرفًا هامشيًا في الحرب، بل المحرّك الأول لها، ومموّلها السياسي، والجهة التي مهّدت، عبر المال والنفوذ، لانخراط أطراف إقليمية أخرى في دعم المليشيا وإطالة أمد الحرب. وهكذا تُرك السودانيون يواجهون حربًا على الأرض وحربًا أخرى على المعنى.

فالعبارات ليست بريئة. حين تُختزل الحرب في توصيفات باردة ومحايدة ظاهريًا، لا يجري فقط تبسيط المأساة، بل إعادة هندسة المسؤولية: يُزال الشعب من مركز المشهد، وتختفي الدولة بوصفها هدفًا، وتُموَّه المليشيا كطرف عسكري عادي لا كأداة لمشروع تدمير واسع. لذلك لا يكفي وصف السودان بأنه منسي؛ بل يجب أن نسأل: من الذي يستفيد من هذا النسيان؟ ومن الذي يربح حين تُفصل الجرائم عن الجهات التي حرّضت عليها وموّلتها ووفّرت لها الغطاء السياسي والعسكري؟

السودان لا يعاني من نقص في المأساة، بل من نقص في الترجمة السردية لهذه المأساة إلى العالم. هناك مجازر، ونزوح، واغتصاب، ونهب، وتدمير مؤسسات، وتهجير جماعي، وتفكيك للنسيج الاجتماعي، واستهداف للذاكرة والكرامة، فضلًا عن محاولات ممنهجة لتقسيم المجتمع وإذكاء النعرات العنصرية والطائفية. لكن هذه الوقائع لا تصل دائمًا إلى الجمهور العالمي بوصفها قصة سياسية وأخلاقية متماسكة؛ بل تصل أحيانًا كأرقام ضخمة، أو كخبر عابر، أو كعبارات إنسانية عامة عن “أسوأ كارثة إنسانية في العالم” و”أكبر أزمة نزوح”، من دون أن تُترجم هذه العبارات إلى فهم واضح لمن صنع الكارثة، ومن موّلها، ومن أطال أمدها، ومن حوّل النزوح إلى سياسة حرب. وهذا أخطر أشكال المحو: أن تُرى الجريمة في حجمها الإنساني، من دون أن يُرى صانعها في موقعه السياسي والعسكري.

لذلك، يجب الانتقال من خطاب “الحرب المنسية” إلى خطاب “الحرب التي يجب أن تُرى”: حرب على الدولة السودانية، والمجتمع، والسيادة، والذاكرة الوطنية. يجب أن تُرى من خلال الضحايا والفاعلين معًا؛ من خلال الألم والمسؤولية معًا؛ ومن خلال النزوح والجهات التي صنعت النزوح معًا.

*حضارة يجب أن تُرى*

لكن هناك محوًا آخر لا يقل خطورة: أن يُرى السودان فقط من خلال الحرب، لا من خلال تاريخه؛ أن يُقدَّم للعالم كمساحة عنف لا كبلد حضارة؛ أن يُختزل إنسانه في صورة النازح أو الضحية أو المقاتل، لا في صورة الشاعر، والمزارع، والمعلم، والمغني، والحرفي، والطبيب، والمؤرخ، والمرأة التي تحفظ الذاكرة في الأغنية والطقس والحكاية.

فالسودان ليس أرضًا طارئة على التاريخ، ولا هامشًا جغرافيًا بلا ذاكرة. إنه موطن الحضارة الكوشية، والفراعنة الكوشيين في الأسرة الخامسة والعشرين؛ موطن كاشتا وتهارقا، والكنداكة أماني ريناس، الملكة المحاربة ذات العين الواحدة، التي قاومت روما ووقفت في وجه إحدى أعظم إمبراطوريات العالم القديم. وهو كذلك موطن رماة الحدق، واتفاقية البقط التي حفظها الأجداد لقرون طويلة، لا بوصفها وثيقة سلام فحسب، بل شاهدًا على قدرة السودان القديم على ردّ الغزو، وإدارة التوازن، وصناعة السلام من موقع الندّية لا الخضوع.

وفي ذاكرته الحضارية أيضًا يحضر أبادماك، الإله المروي ذو الرأس الأسدي، رمز الحرب والحماية، الذي ما تزال نقوشه في معبد الأسد بالمصورات الصفراء تذكّر بأن رمزية القوة والسيادة في السودان امتداد عميق، لا وليدة الحرب الراهنة. كما تحضر لوحة بيي/بعانخي الانتصارية في جبل البركل، تلك اللوحة الغرانيتية التي تكشف أن الوعي السوداني القديم بالقوة لم يكن مجرد تمجيد للغلبة، بل تصورًا للسيادة بوصفها عهدًا ومسؤولية وانضباطًا. ورغم أن هذه اللوحة نُقلت في القرن التاسع عشر إلى مصر، فإنها بقيت دليلًا على أن السودان لم يكن أرض مقاومة فحسب، بل أرض دولة تعرف معنى الحرب، وحدود القوة، وكرامة العهد.

وحين يعرف العالم أن هذه الأرض عرفت الممالك القديمة، والكتابة، والتجارة، والعمارة، والتنوع، والفنون، والطرق الصوفية، والأسواق، والموسيقى، والحياة المدنية، يصبح من الأصعب أن يبتلع الرواية السهلة عن شعب بلا تاريخ يتقاتل بلا معنى. فالشعوب التي تُجرَّد من تاريخها يسهل اختزال مأساتها، أما الشعوب التي تُرى بعمقها الحضاري، فيصعب تحويل جراحها إلى خبر عابر أو مأساة بلا سياق.

إن التعريف بالحضارة هنا ليس ترفًا ثقافيًا، بل دفاع سياسي عن إنسانية السودان وعمقه واستحقاقه للعدالة. فمن يروي تاريخ السودان لا يهرب من الحرب، بل يشرح ما تستهدفه الحرب: ذاكرة وطن، وكرامة مجتمع، ونسيجًا حضاريًا يحاول العنف أن يمزقه، ومكانًا في العالم لا يجوز أن يُرى فقط بعين الشفقة، بل بعين الاحترام والمساءلة والإنصاف.

*الراب والذكاء الاصطناعي: جبهة سردية سودانية جديدة*

يمتلك السودان اليوم طاقة كامنة في جيل من الشباب المبدع، ولا سيما الفنانين ومغني الراب الذين يكتبون أو يؤدون بالإنجليزية، ويفهمون لغة المنصات، ويملكون قدرة متزايدة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، والتصميم، والصوت، والصورة. هؤلاء ليسوا مجرد فنانين على هامش المعركة، بل يمكن أن يكونوا جزءًا من جبهة سردية سودانية جديدة، قادرة على نقل الحرب إلى جمهور عالمي لا يعرف السودان إلا عبر عناوين باردة ومضللة.

فالراب، بطبيعته، لغة احتجاج وذاكرة وغضب. يستطيع أن يحمل شهادة النازح، وصوت الأم، وصرخة الطفل، وذاكرة المدينة المنهوبة، وصورة البيت المحترق، ومرارة الطريق إلى المجهول. وحين يُصاغ بالإنجليزية أو بلغات قادرة على العبور، يستطيع أن يقول للعالم، بإيقاع يفهمه، إن ما يحدث في السودان ليس مجرد حرب أهلية، بل حرب على الدولة، والمجتمع، والذاكرة، والكرامة، والسيادة.

غير أن هذه الجبهة لا ينبغي أن تحصر السودان في المأساة وحدها. فالسردية الأقوى هي التي تربط الجرح بالعمق، والحاضر بالتاريخ، والضحية بالإنسان الكامل لا بصورة الضحية فقط. لذلك يستطيع الراب، والفيديو القصير، والتصميم، والموسيقى، والمواد البصرية أن يعرّفوا العالم أيضًا بالسودان الذي لا يظهر في النشرات: السودان صاحب الإيقاعات، واللغات، والأزياء، والعمارة، والممالك، والأنهار، والأسواق، والذاكرة الصوفية، والحكايات الشعبية، والتاريخ الممتد قبل الخرائط الحديثة؛ وأن يكشفوا، في الوقت نفسه، من عطّل إمكانات هذا البلد، ومن يواصل تأجيج الحرب وإدامة الاستنزاف، لإبقائه بعيدًا عن استحقاقه الطبيعي في الاستقرار والنهوض.

ومن هنا لا يحتاج السودان إلى أغنية مفردة أو حملة عابرة، بل إلى جبهة سردية ذكية، لا تنكر تعقيد الواقع لكنها ترفض اختزاله، ولا تزوّر الوقائع لكنها ترفض دفنها. هذه الجبهة يمكن أن تضم صحفيين، ومغني راب، ومصممين، ومترجمين، وموثّقين، وناجين، وحقوقيين، وشبابًا سودانيين في الداخل والمهجر، يعملون على إنتاج محتوى قصير وموثق ومتعدد اللغات، يربط اليومي بالسياسي والحضاري، ويحوّل الشهادة الفردية إلى ذاكرة عامة قابلة للفهم والانتشار.

وفي هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة مهمة بشرط أن يبقى خادمًا للحقيقة لا بديلًا عنها. ليست الغاية أن يُستخدم لتزييف الواقع أو تصنيع وقائع غير موجودة، بل لتوصيل الحقيقة بصورة أقوى وأسرع وأكثر فهمًا: ترجمة الشهادات إلى لغات عالمية، تبسيط التقارير الحقوقية، إنتاج خرائط لمسارات النزوح ومناطق الانتهاكات، تحويل الأرقام إلى مشاهد قابلة للفهم، ودعم الفنانين الشباب بأدوات صوتية وبصرية ترفع جودة الرسالة.

غير أن قوة هذا المسار لا تُقاس بالضجيج وحده، بل بالانضباط. فلا نشر بلا تحقق، ولا صورة بلا سياق، ولا شهادة بلا حماية، ولا اتهام بلا دليل، ولا عاطفة بلا مسؤولية. فالقضية السودانية لا تحتاج إلى اختلاق؛ الواقع نفسه صادم بما يكفي، والتاريخ نفسه غني بما يكفي. ما تحتاجه هو تنظيم، وترجمة، وتكثيف، وإخراج، وربط بين الوقائع والفاعلين، وبين الضحية والسياسة، وبين الحاضر الجريح والماضي العميق.

وهكذا، لا يصبح الراب السوداني ولا الذكاء الاصطناعي مجرد أدوات فنية أو تقنية، بل جزءًا من معركة أوسع لإخراج السودان من صورته المختزلة كبلد بعيد غارق في العنف، وإعادته إلى صورته الأصدق: أمة ذات تاريخ، وثقافة، وذاكرة، وحق في أن تروي نفسها للعالم بصوتها هي.

*الخاتمة: حين تصبح السردية مقاومة*

لا تكمن أهمية التجربة الإيرانية بالنسبة إلى السودان في استنساخ نموذجها، ولا في إنتاج دعاية مضادة تفقد صدقيتها، بل في التقاط درسها الأعمق: أن الحرب الحديثة لا تُخاض على الأرض وحدها، بل في اللغة، والصورة، والذاكرة أيضًا. ومن لا يروي مأساته وتاريخه بلغة العالم، وبأدوات ثقافية مألوفة للجمهور المستهدف، سيجد من يختصره، أو يشوّهه، أو يدفنه في هامش الأخبار.

في الحالة السودانية، يصبح هذا الدرس جزءًا من معركة السيادة نفسها. فحين تُختزل الحرب في توصيفات باردة تُخفي الفاعلين وتُفرغ الجريمة من سياقها، لا يكون الخلل لغويًا فقط، بل سياسيًا وأخلاقيًا. ومن هنا، لا تكفي مقاومة الرواية المفروضة، بل يجب الانتقال إلى إنتاج رواية سودانية منظمة: تُعرّف الحرب، وتسمّي الفاعلين، وتربط الوقائع بسياقها السياسي والتاريخي. فالمعركة ليست على التغطية وحدها، بل على حق السودان في صياغة المعنى قبل أن يُصاغ عنه.

لذلك، لا يحتاج السودان إلى “سلوپاغاندا” مضللة، بل إلى سردية صادقة وذكية ومنضبطة: تترجم الوقائع، وتستخدم الإعلام غير التقليدي، والراب، والفيديو القصير، والتصميم، والذكاء الاصطناعي لخدمة الحقيقة لا لتزويرها، وتحوّل الشهادات والصور والقرى والأسواق المحترقة والمستشفيات المنهوبة من مواد عابرة للتداول إلى ذاكرة رقمية موثقة تحفظ الحق وتمنع المحو. ويمكن للسخرية والكوميديا السوداء، إذا ضُبطتا أخلاقيًا، أن تكشف النفاق الدولي واللغة الباردة التي تخفي الفاعلين والممولين، من دون الاستخفاف بالألم أو تحويل الضحايا إلى مادة للتداول.

لكن القصة السودانية لا ينبغي أن تبدأ وتنتهي بالحرب. فالسودان ليس مشهدًا للخراب وحده، ولا شعبًا بلا تاريخ، ولا أرضًا معلّقة خارج الحضارة. لذلك فإن رواية الحرب للعالم يجب أن تكون أيضًا رواية السودان نفسه: من كان، وما الذي بُني فيه، وما الذي يحاول الغزاة والوكلاء تدميره، ولماذا لا يجوز للعالم أن ينظر إليه بعين الشفقة وحدها، بل بعين الاحترام والعدالة.

وإذا روى السودانيون قصتهم بأنفسهم، بلغاتهم ولغات العالم، وبأدواتهم وأدوات العصر، فقد تتحول الحرب من مأساة مدفونة إلى قضية مرئية، ومن خبر عابر إلى ذاكرة عالمية.

فالحقيقة وحدها لا تكفي إن لم تجد صياغتها، والعدالة لا تُسمع إن لم تجد صوتها، والحضارة لا تُحمى إن لم تُروَ. وحين يحدث ذلك، تصبح السردية نفسها شكلًا من أشكال المقاومة: مقاومة النسيان، والاختزال، والتشويه، ومصادرة الصوت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى