محمد ضياء الدين يكتب: ما بين الرباعية والخماسية.. “توزيع الأدوار خلف الكواليس”

كثيراً ما يكون الحدث الأهم هو ما لا يُقال.. المتابع لتطورات الملف السوداني خلال الأسابيع الأخيرة قد يخرج بانطباع مفاده أن الخماسية الدولية جاءت لتحل محل الرباعية، وأن الأخيرة غادرت المشهد أو تراجع دورها. غير أن القراءة المتأنية لما يجري توحي بعكس ذلك تماماً، وتفتح الباب أمام فرضية أن المبادرتين لا يتنافسان، وإنما يعملان ضمن توزيع أدوار متكامل يجري تنفيذه بهدوء بعيداً عن الأضواء.
المعلوم أن الخماسية إنطلقت من برلين إلى الواجهة باعتبارها منصة للحوار السياسي السوداني ـ السوداني، بينما يبدو أن الرباعية قد إتجهت مؤخراً نحو مسار آخر أكثر حساسية يتعلق بالجوانب الأمنية والعسكرية والإنسانية. ومن هذه الزاوية يمكن فهم كثير من التطورات التي بدت متقاطعة للوهلة الأولى، بينما تشير في مجملها إلى وجود رؤية أوسع يجري تنفيذها على أكثر من مستوى.
شخصياً كنت أعتقد أن بروز الخماسية جاء على حساب الرباعية، وأن الأخيرة تراجعت رغم الدعم المعتبر الذي حظيت به من قطاعات واسعة من القوى السياسية والاجتماعية السودانية الرافضة للحرب. غير أن التطورات الأخيرة وحجم الإجماع الدولي والإقليمي الذي رافق دعم مسار الخماسية، يدفعان إلى مراجعة هذا الاستنتاج. فالمؤشرات المتاحة توحي بأن ما يجري ليس تنافساً أو إحلال مبادرة محل أخرى، وإنما تنسيق أوسع لم تتكشف جميع خيوطه بعد، تتوزع فيه الأدوار بين مسارات متعددة تعمل في إتجاه واحد. وما يبدو على السطح كمسارين منفصلين “قد” يكون في الواقع جزءاً من مقاربة كبرى تسعى إلى معالجة المسارات الأمنية والسياسية والإنسانية بصورة متزامنة.
وفي سياق البحث عن ملامح هذا التنسيق، لا يفوتنا أن ننوه إلى أنه منذ أشهر تتواتر المعلومات حول وجود إتصالات وحوارات غير مباشرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وسط تكتم شديد يجعل من الصعب معرفة مدى التقدم الذي أُحرز فيها أو ما إذا كانت قد إنتقلت المباحات إلى مراحل أكثر مباشرة. ومع ذلك فإن طبيعة الحراك الجاري يوحي بأن المسار الأمني والعسكري وكذلك الإنساني لم يتوقف، وأن هناك جهود مستمرة لتقريب وجهات النظر حول ترتيبات وقف الحرب وآليات التنفيذ.
ولعل السرية التي تحيط بهذا النوع من الاتصالات ليست بالأمر المستغرب، فملفات الحروب والترتيبات الأمنية غالباً ما تُدار بعيداً عن الإعلام لتجنب الضغوط ومحاولات الإفشال. كما أن المجتمع الدولي والإقليمي يدرك جيداً كلفة تعثر الوصول لحلول تنهي النزاعات والحروب ، وما يمكن أن يقود إليه إستمرار الصراع من سيناريوهات كارثية شبيهة بما شهدته سوريا من إطالة أمد الحرب وتفكك مؤسسات الدولة وتفاقم المأساة الإنسانية، خاصة مع التقارير التي تشير الي أن عدد القتلي حتي السنه الثالثة في السودان أكبر بثلاث مرات من عدد القتلي في الحرب السورية. لذلك فإن غياب التفاصيل المعلنة لا يعني بالضرورة غياب الحراك، بل قد يكون جزءاً من المنهج المتعمد لإتاحة الفرصة أمام التفاهمات الحساسة حتى تنضج وتصبح قابلة للإعلان والتنفيذ.
اللافت أن الإجماع الدولي والإقليمي غير المسبوق الذي رافق دعم مسار الخماسية لا يمكن تفسيره فقط بنتائج الاجتماعات التي عُقدت في برلين ونيروبي وأخيراً أديس أببا، خاصة أنها لم تنتج إتفاقاً نهائياً حتى الآن. وهو ما يدفع إلى الاعتقاد بأن هناك رؤية أوسع يجري العمل عليها على نار هادئة، تقوم على تنسيق متكامل بين المسارات الثلاثة الأمنية والسياسية والإنسانية، بحيث لا يتأخر أحدها على الآخر بصورة تهدد فرص الوصول إلى حل شامل مستدام.
إستناداً الي ما سبق، يبدو أن المجتمع الدولي بات يدرك أن أي تفاهمات أمنية محتملة لن تكون كافية إذا لم تجد سند سياسي ومدني يضمن إستدامتها، كما أن أي إتفاق سياسي لن يصمد دون ترتيبات أمنية متفق عليها بين الأطراف المتحاربة. ومن هنا يمكن فهم حالة الحراك المتسارع والضغوط المتزايدة على مختلف القوى السودانية للوصول إلى تفاهمات متزامنة حول وقف الحرب، وترتيبات المرحلة الانتقالية، والاستجابة للأزمة الإنسانية المتفاقمة. كما أن التطورات الأخيرة المتعلقة بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى بعض المناطق المتضررة، آخرها عبر مطار الخرطوم، تعكس وجود ترابط واضح بين المسارات المختلفة التي يجري العمل عليها بالتوازي.
عليه لا تبدو الرباعية والخماسية مسارين متنافسين “على الأقل حتى الآن”، وإنما يمثلان معاً مخطط سياسي ودبلوماسي أوسع يقوم على تناغم غير مسبوق بين القوي والمؤسسات الدولية والإقليمية بعد سنوات من التباينات والتجاذبات. وقد يكون هذا التنسيق مؤشراً إلى إدراك متزايد بأن إستمرار الحرب لم يعد يمثل خطراً على السودان وحده، وإنما على إستقرار الإقليم بأكمله، الأمر الذي يفسر حالة التوافق النادرة التي بدأت تتشكل حول ضرورة الوصول إلى حل شامل للأزمة السودانية.
ويبقى الأهم أن أي جهد خارجي مهما بلغت درجة توافق داعميه، لن يكتسب شرعيته الحقيقية إلا بقدر ما ينسجم مع تطلعات السودانيين أنفسهم. فالشعب السوداني يتطلع لمساعدة المجتمع الدولي من أجل تسريع وتيرة الحراك لإنهاء الحرب وفي ذات الوقت لا ينتظر وصاية من أحد، وإنما يتطلع إلى إنهاء الحرب وحماية وحدة البلاد، واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي، وبناء سلام عادل يطوي صفحة المأساة ويفتح الطريق نحو مستقبل يستحقه السودانيون بعد سنوات طويلة من معاناة القهر والفقر والجوع والمرض.



