علم الدين عمر يكتب : إبراهيم جابر ووالي الخرطوم..هام وعاجل ونصف خطير!!!..

حاجب الدهشة..

من واقع مشاهدة ومتابعة ومراقبة محايدة لما يجري في ملف العودة وإعادة إعمار الخرطوم وجدت أن أخطر ما يحدث في الخرطوم اليوم ليس الدمار الذي خلفته الحرب.. بل إحتمال أن تنتهي عملية إعادة الإعمار إلى إعادة إنتاج الأسباب نفسها التي أوصلت العاصمة إلى هذا المستوى من الفوضى والعشوائية.. فأحياناً يكون تأسيس الخطأ من جديد أكثر خطورة من الخراب والدمار الذي حدث..

الحرب.. رغم فداحتها منحت الخرطوم فرصة إستثنائية تاريخية ربما لم تتح لمدن وعواصم أخري.. فرصة لإعادة التفكير في شكل العاصمة ووظائفها وخارطة خدماتها ومؤسساتها..فرصة لبناء مدينة أكثر عدالة وتنظيماً وكفاءة..لكن المؤشرات الحالية تدفع إلى القلق من أن تكون الأولوية هي إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحرب بدلاً عن بناء ما يجب أن تكون عليه بعد الحرب..

وإن كان لابد من الإنصاف للجهد الكبير المقدر الذي تبذله هيئة الطرق والجسور ومصارف المياه في فتح الطرق وإزالة الأنقاض وترميم المسارات والتعامل مع الطوارئ..هذه أعمال ضرورية ومهمة وتمثل خطوة أولى لا غنى عنها في طريق التعافي..

لكن المشكلة لا تكمن في الجهد الفني..المشكلة في غياب الرؤية السياسية الشاملة.. العاصمة لا تحتاج فقط إلى طرق معبدة وكهرباء بالحد المتاح ومياه بال(مباصرة) وسط نيلين..الخرطوم تحتاج لمشروع جديد يعالج الإختلالات التاريخية التي ظلت تتفاقم قبل الحرب وبعدها..

الخرطوم التي ستبدأ من الصفر في أجزاء واسعة منها لا ينبغي أن تعود إلى الصفر الفكري نفسه.. المطلوب إعادة تخطيط وسط المدينة..وإعادة توزيع الخدمات والمؤسسات الحكومية نحو الأطراف..وخلق مراكز حضرية جديدة تخفف الضغط المزمن عن قلب العاصمة.. أما إعادة المركزية القديمة بكل أزماتها.. فلن تكون سوى إعادة تدوير للفشل..

ما يثير الدهشة حقاً أن بعض الجهات تبدو وكأنها تحتفل بعودة المشهد القديم نفسه وتعتبر ذلك إنجازاً تحتفي به وتملأ الدنيا ضجيجاً ..أعمدة الكهربا المتناثرة بلا رؤية ليست شيئاً يستحق الإحتفاء..والتلوث البصري الذي تخلفه اللافتات التجارية والحكومية العشوائية ليست ملمحاً جمالياً ولا محفزاً للعودة..بل هي ضروب من الفوضى تجاوزتها حتي مدن العالم الثالث وعواصمه منذ سنوات طويلة..

إذا كانت ولاية الخرطوم تسعى إلى إعادة الحياة للعاصمة بأسرع وقت ممكن لإرضاء المركز أو لتقديم صورة إعلامية براقة عن نجاحات عاجلة فعليها أن تدرك أن التاريخ لن يحاسبها على عدد الطرق التي أعيد فتحها..بل على شكل المدينة التي تركتها للأجيال القادمة..لأن إعادة بناء الخطأ ليست نجاحاً..بل هوخطأ أكبر بموارد أكثر وأعز..

ولهذا تبدو الحاجة ماسة إلى عودة الإرادة السياسية التي حكمت ملف تهيئة العاصمة في مرحلة سابقة..عندما ترأس عضو مجلس السيادة الفريق الركن إبراهيم جابر لجنة تهيئة الخرطوم..يومها كان الحديث يدور حول رؤية متكاملة تتجاوز الحلول الإسعافية إلى مشروع إستراتيجي لإعادة تشكيل العاصمة..لكن الفكرة تعثرت تحت وطأة (البيروقراطية) وحسابات المصالح الضيقة..

الخرطوم تستحق أفضل من مجرد العودة إلى ما كانت عليه..تستحق أن تتحول هذه المأساة إلى نقطة إنطلاق حقيقية من الصفر الحي وليس الواحد الميت نحو مدينة أكثر جمالاً وكفاءة وإنسانية..وإذا كانت الحرب قد فرضت على العاصمة أن تبدأ من جديد..فإن المنطق يقول إن عليها أن تبدأ أيضاً بعقل جديد ورؤية جديدة وإرادة جديدة..

أما إعادة إنتاج أخطاء الماضي تحت لافتة إعادة الإعمار.. فليست سوى جريمة أخرى في حق الخرطوم والسودان لا تقل عن جريمة الحرب نفسها بإسم البناء والسلم والعودة..

مكنوا سعادة الفريق إبراهيم جابر من ملف العاصمة مرة أخرى فقد أحدث فيه إختراقاً يفوق قدرة حكومة الأمل الغائب ورؤيتها..

أحدثكم غداً عن الخرطوم الولاية وواليها..والحديث ذو شجون..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى