المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: الحكم الصومالي عمر ارتان

”مارست أمريكا الترامبية رعونتها السياسية في ملاعب الرياضة، فأتت أوروبا لتعيد التوازن بصفارة إنصاف صومالية.”
أعادني حفل افتتاح مونديال ٢٠٢٦ من استاد “أزتيكا” العريق بالمكسيك، رغماً عني، إلى تلك الأيام الساحرة في دوحة ٢٠٢٢. هناك، حيث لامس التنظيم حدود الإعجاز، ولسان حالي يقول: “لقد أتعبتِ من بعدك يا قطر”. اليوم، ونحن نرقب تفاصيل النسخة الحالية، نلمس بوضوح الفارق الشاسع بين تنظيم قطري احتضن العالم بلا تفرقة، وبين ارتباك لوجيستي وسياسي تعيشه البطولة الآن، بعد أن تراجعت الروح الرياضية أمام هواجس أمنية وسياسية ضيقة تخنق بهجة اللعبة.
هذا المشهد يعيدني إلى مقالين كتبتهما سابقاً؛ الأول قبل انطلاق المونديال القطري بأحد عشر يوماً، محذراً من معضلة التأشيرات ومشاركة إيران، والثاني قارنت فيه بين مونديال أمريكا ١٩٩٤ في عهد بيل كلينتون سليل الحزب الديمقراطي، والنسخة الحالية تحت حكم دونالد ترامب زعيم الحزب الجمهوري. والحقيقة التي تتجلى دائماً هي أن أمريكا الديمقراطية تبدو أكثر انفتاحاً على العالم وترحيباً بالتعددية، في حين تنكفئ أمريكا الجمهورية على ذاتها، مسيجة بأسوار التشدد الحمائي وإغلاق الأبواب في وجه الآخرين تحت لافتات سياسية جامدة.
وتجسد هذا الانغلاق الجمهوري في واقعة صادمة، تمثلت في منع الحكم الصومالي “عمر أرتان” من دخول الأراضي الأمريكية رغم حيازته تأشيرة رسمية. هذه الحادثة تشكل سابقة غريبة ومستهجنة في تاريخ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، إذ كيف يُحرم كادر رياضي دولي من ممارسة مهمته في بطولة يشرف عليها الاتحاد نفسه؟ إنه تجلٍّ واضح لعقلية “الكاوبوي” التي تدير بها إدارة ترامب الأمور، متجاهلة الأعراف والبروتوكولات الدولية، ومحاوِلة فرض أجندتها السياسية على ملاعب يفترض أنها تجمع ولا تفرق.
لكن، ومصداقاً لقوله تعالى: “وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم”، جاء الرد الأوروبي سريعاً وحاسماً يحمل الكبرياء الرياضي؛ إذ أعلن “اليويفا” إسناد مباراة السوبر الأوروبي ٢٠٢٦-٢٠٢٧ في سالزبورغ النمساوية بين باريس سان جيرمان وأستون فيلا للحكم عمر أرتان. هي صفعة دبلوماسية ناعمة لغطرسة الإدارة الأمريكية، ورسالة تفيد بأن الرياضة قيمة إنسانية كبرى لن تطوعها أمزجة الساسة أو حساباتهم الانتخابية، وأن من يحاول ليّ ذراع كرة القدم لن يجني سوى العزلة.



