الدعم السريع.. انهيار الركائز وبداية السقوط

بقلم/ د. خالد حسين محمد
انشقاقات الداخل، وتآكل الحاضنة، وانهيار التحالفات، جميعها تكشف أن الدعم السريع دخل مرحلة السقوط الذاتي بعد أن فقد المال، والتماسك القبلي، وغطاءه العسكري والسياسي.
لم يكن انشقاق النور قبة والسافنا حدثًا عابرًا داخل بنية الدعم السريع، بل جاء كاشفًا بوضوح عن حجم التصدعات التي تضرب التحالفات الأساسية التي قام عليها هذا التكوين منذ نشأته. فالرجلان ينتميان إلى قبيلة المحاميد، وهي بطن رئيسية من قبيلة الرزيقات، ما يجعل هذا الانشقاق مؤشرًا بالغ الدلالة على أن الخلل لم يعد محصورًا في الأطراف، بل بات يطال صميم الحاضنة التي استندت إليها المليشيا في تثبيت نفوذها وإدارة وجودها العسكري والاجتماعي.
ثلاث ركائز حملت الدعم السريع إلى حافة الانهيار
لقد بُني الدعم السريع على ثلاث ركائز رئيسية: أولها هيكلة قواته على أساس قبلي، بحيث تتشكل كل مجموعة من أبناء قبيلة بعينها، ويقودها شخص من القبيلة نفسها. وثانيها الاعتماد على الغنائم المنتزعة من المواطنين، أو ما يُعرف بـ”الشفشة”، باعتبارها حافزًا مباشرًا للمقاتلين، خاصة المرتزقة القادمين من دول أفريقية. أما الركيزة الثالثة، فتمثلت في التحالف مع الحركات المسلحة المنتمية إلى قبائل غير عربية، وعلى رأسها حركة عبد الواحد وحركة عبد العزيز الحلو في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق.
غير أن ما يجري اليوم يؤكد أن هذه الركائز الثلاث قد تعرضت لانهيار متسارع، وأن المليشيا دخلت، عمليًا، مرحلة الانهيار الذاتي. فالاستسلامات المتزايدة وسط القيادات والمجموعات لم تعد مجرد وقائع ميدانية متفرقة، بل تحولت إلى إشارات واضحة على تفكك البنية التي حملت الدعم السريع طوال الفترة الماضية.
سقوط الحافز الاقتصادي وتآكل مصادر التمويل
فعلى المستوى الاقتصادي، تراجع الحافز الذي كان يغذي استمرار المليشيا بعد انتقال الحرب إلى كردفان ودارفور، وهما منطقتان محدودتا الموارد. ومع استنزاف ما تم الاستيلاء عليه خلال الأشهر الأولى، وتدمير معظم الموارد الاقتصادية التي اعتمد عليها الدعم السريع ضمن استراتيجية عسكرية واقتصادية متعددة المحاور، بدأت آثار الانهيار تتكشف بصورة أكثر وضوحًا.
فقد جرى قصف مناطق التنقيب في سونغو ومنجم أغبش، واستهداف مقار وآليات شركات التعدين مثل شركة الجنيد، وقصف المصافي الرئيسية التي استولت عليها المليشيا، فضلًا عن تدمير قوافل الإمداد والتهريب اللوجستي، وقطع الطرق الحيوية ومسارات التجارة والتهريب التي تربط المناجم بمنافذ البيع الخارجية. ونتيجة لذلك، ضعفت الإمدادات، وربما تعذر الإيفاء بمرتبات المقاتلين، وهو ما انعكس مباشرة على سلوك المليشيا تجاه المدنيين، وحتى تجاه المنتمين إلى القبائل الداعمة لها، حيث تصاعدت أعمال النهب، وأصبح التجار عرضة للخطف والاحتجاز وابتزاز الأموال مقابل إطلاق سراحهم.
النهود والطويشة.. تمدد الفوضى واستهداف المدنيين
لم تكن الهجمات على مدينة النهود سوى نموذج صارخ لهذا التدهور، إذ اقتحمت المليشيا عددًا من مساجد المدينة، وفككت أسقفها، ونهبت ألواح الزنك والأثاثات، كما امتدت الانتهاكات إلى عدد من دور العبادة داخل المدينة.
وبلغ الأمر مداه عندما أقدمت قوات الدعم السريع على اعتقال واحتجاز المعلمين في بلدة الطويشة بعد ساعات قليلة من تسلمهم مستحقاتهم ورواتبهم، في استهداف بدا ممنهجًا لحقوق العاملين وأموالهم. وعندما خرج الأهالي وذوو المعلمين في احتجاجات سلمية للمطالبة بالإفراج عنهم وإعادة الأموال المنهوبة، قوبلوا بالقمع والتنكيل وتفريق التظاهرات بالقوة، مع نشر تعزيزات عسكرية مكثفة لفرض أجواء من الإرهاب والترهيب.
القبيلة من أداة تماسك إلى معول هدم
أما الركيزة القبلية، وهي الأخطر والأكثر تأثيرًا، فقد بدأت تنهار من الداخل. فمنذ عام 2023 شهدت الساحة نزاعات بين قبائل داعمة للدعم السريع، من بينها الصراع بين السلامات والهبانية، ثم المواجهات بين الرزيقات والفلاتة المسيرية، التي انتهت بمقتل ناظر الفلاتة المسيرية في الفولة يوم 28 يناير الماضي، بعد مقتل ابنيه بسبب رفضهما إجبار أبناء القبيلة قسرًا على التجنيد في صفوف المليشيا. كما شهد شهر مارس اشتباكات بين النوير والمسيرية، وهما من حلفاء الدعم السريع، وأسفرت عن سقوط قتلى من الطرفين.
نيالا.. انفجار الغضب وكسر حاجز الصمت
في نيالا، خرجت الأمور عن السيطرة بالكامل، بعد خلافات قبلية ومواجهات عنيفة اجتاحت شوارع المدينة عقب اغتيال وتصفية ناظر قبيلة الترجم الدوم ضواي. ولم تكن هذه التطورات حادثة منفصلة يمكن احتواؤها، بل مثلت انفجارًا مباشرًا لتراكم الغضب والاحتقان نتيجة سلسلة طويلة من الجرائم والانتهاكات.
وقد أدى ذلك إلى كسر حاجز الصمت داخل المكونات الاجتماعية والقبلية، ودفع الأزمة إلى نقطة اللاعودة. فقد حمل المئات من أبناء القبائل داخل الدعم السريع السلاح، وانتشروا في أحياء نيالا، ونفذوا عمليات هجومية مباشرة استهدفت قادة وجنود الدعم السريع، في مؤشر خطير على تحول التوترات إلى مواجهات مفتوحة بين مجموعات مسلحة كانت حتى وقت قريب تتحرك تحت مظلة واحدة. وهذا تطور لا يعكس فقط هشاشة الوضع الأمني وغياب القانون وفوضى السلاح، بل ينذر أيضًا بإعادة تشكيل الخارطة الاجتماعية في إقليم دارفور بأكمله.
اختراق أمني يضرب الدائرة الضيقة للقيادة
زاد من تعقيد المشهد ما كشفته العمليات العسكرية الدقيقة الأخيرة في نيالا، التي استهدفت مواقع عسكرية ومقر إقامة قائد المليشيا، وأظهرت اختراقًا أمنيًا وصل إلى الدائرة الضيقة المحيطة بالقيادة العليا. وتشير المعطيات إلى تورط عدد من الحراس الشخصيين المقربين من حميدتي وشقيقه، ممن عملوا كمصادر استخبارية داخل حصون المليشيا، وزودوا الاستخبارات بإحداثيات دقيقة وتحركات لحظية.
وهذا في حد ذاته يكشف أن فقدان الثقة داخل المليشيا بلغ ذروته، إلى درجة دفعت حميدتي إلى الاعتماد على حرس شخصي كامل من خارج السودان، من المرتزقة.
كبم.. اقتتال الحلفاء واتساع رقعة التصدع
في كبم، اندلعت اشتباكات عنيفة بين بني هلبة والسلامات، وهما قبيلتان عربيتان داعمتان للدعم السريع، ووُصفت هذه المواجهات بأنها من الأعنف خلال الفترة الأخيرة. وما ضاعف خطورتها أن المقاتلين المنتمين إلى الدعم السريع انحاز كل منهم إلى قبيلته، واستخدموا الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة وعربات ومواتر الدعم السريع، بل وخاضوا القتال بزي الدعم السريع نفسه.
ومع انتقال مجموعات قتالية من الخوي وغبيش والنهود إلى جنوب دارفور لمساندة بني هلبة في كبم، مقابل حشد قبيلة السلامات لنحو خمسة آلاف مقاتل، بدت الصورة أقرب إلى تفكك شامل داخل الجسم القبلي الذي كان يُفترض أنه يمثل عماد التماسك.
المرتزقة الأجانب في مأزق البقاء أو الفرار
في خضم هذا المشهد، وجد المرتزقة الأجانب أنفسهم في مأزق وجودي حقيقي، بفعل جهلهم بجغرافية المنطقة وعجزهم عن صد أي هجوم متوقع من الجيش. فقد ألزمهم عبد الرحيم دقلو بالبقاء في مواقعهم، الأمر الذي دفعهم إلى الاستغاثة بحفتر، مطالبين بالتدخل لإنقاذهم وترحيلهم إلى ليبيا.
الضعين.. الفوضى تضرب معقل الحاضنة الأساسية
امتدت الفوضى إلى مدينة الضعين، مقر الحاضنة الأساسية للدعم السريع، قبيلة الرزيقات، حيث سادت أعمال النهب المسلح، وباتت حياة المواطنين مهددة في ظل غياب أي سلطة قادرة على فرض القانون أو كبح الانفلات الميداني.
انهيار التحالف مع الحركات المسلحة غير العربية
أما الركيزة الثالثة، والمتمثلة في التحالف مع الحركات المسلحة غير العربية، وعلى رأسها التحالف مع عبد العزيز الحلو، فقد تعرضت هي الأخرى لانهيار واضح.
ففي يناير 2026 اندلعت اشتباكات بين قوات الدعم السريع ومليشيا الحركة الشعبية في جنوب كردفان، على خلفية تبادل الاتهامات بالخيانة والتخابر مع الجيش، وذلك في سياق معارك الدلنج وهبيلة بعد فك الحصار عن مدينة الدلنج يوم 26 يناير. وقد أدى هذا الخلاف إلى فشل المليشيا في التقدم نحو كادقلي، ودفع عبد الرحيم دقلو إلى سحب مجموعات قتالية كانت تعمل معها وإعادتها إلى الفولة، بما كشف هشاشة هذا التحالف، وأكد انتقال المليشيا من مرحلة الهجوم إلى مرحلة إدارة الانهيار.
جبال النوبة ترفض النفوذ المفروض
في جبال النوبة، قادت احتجاجات واسعة إلى رفض محاولات مليشيا الدعم السريع خلق نفوذ عسكري وسياسي داخل كاودا والتدخل في الشؤون الداخلية للإقليم. وأجبرت هذه الاحتجاجات قيادات الحركة على طرد الضابط المليشيوي المعروف بـ”بلة” من كاودا، وهو ما لاقى ارتياحًا واسعًا داخل الأوساط الأهلية والسياسية، وعكس بوضوح الرفض المبدئي للتحالف مع المليشيا.
النيل الأزرق.. صراع السيطرة وتفكك الشراكة
أما في النيل الأزرق، فقد دار صراع بين البيشي، قائد قوات الدعم السريع هناك، وقوات الحركة الشعبية بقيادة جوزيف توكا، حول السيطرة على قيادة قطاع النيل الأزرق والمناطق الحدودية. وتصاعد الصراع عقب انسحاب جوزيف توكا من سالي، ما أدى إلى هجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت تمركزات قوات البيشي، وتسبب في موجات نزوح واسعة من قيسان وباو.
ثم جاء كمين الجيش السوداني في منطقة البركة، حيث استدرج عناصر الدعم السريع ومنحهم نصرًا وهميًا قبل أن يطبق عليهم بالكامل، ليضيف مؤشرًا جديدًا إلى حجم التآكل الذي أصاب هذا التحالف.
من إدارة الحرب إلى إدارة الانهيار
خلاصة المشهد أن الركائز الثلاث التي قام عليها الدعم السريع قد انهارت جميعًا: الحافز الاقتصادي تآكل، والتماسك القبلي تفكك، والتحالفات العسكرية تصدعت. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك استسلامات واسعة وسط المجموعات والقيادات المؤثرة، وشبه انهيار كامل داخل المليشيا.
وتعود أسباب هذا الانهيار إلى طول أمد الحرب، والخسائر الفادحة في الأرواح والأموال والممتلكات، إلى جانب غياب الرؤية السياسية وانسداد الأفق، بما ألقى بظلاله الثقيلة على تماسك جميع الأطراف.
الاستسلامات الواسعة.. المؤشر الأوضح على السقوط
يعزز هذا التقدير ما أعلنه أحمد بكار، المنشق عن مليشيا الدعم السريع ووزير المالية الأسبق بولاية شرق دارفور، في 25/5/2026، حين تحدث عن تصدع داخلي عميق وانهيار يضرب صفوف المليشيا، مؤكدًا أن الخلافات البينية المتسارعة أدت إلى تفكك القيادة المركزية، وإلى تخبط واضح في إدارة الملفات العسكرية والسياسية، كما أشار إلى أن حكومة تأسيس أصيبت بتفكك كامل وعجز تام عن إدارة الأزمات أو تقديم الخدمات للمواطنين، بما يجعله، بحسب وصفه، مؤشرًا قويًا على قرب السقوط النهائي.
كيف كتب الدعم السريع نهايته بيده
بعد أن فقد الدعم السريع المال، والغنائم، والتماسك القبلي، وبريق السلطة، لم يعد أمامه سوى حصاد ما صنعته يده. وهكذا، فإن ما يجري اليوم لا يبدو مجرد أزمة عابرة داخل المليشيا، بل مآلًا منطقيًا لبنية تأسست على الهشاشة والعنف والمصالح المؤقتة. وبعد الله سبحانه وتعالى، والقوات المسلحة، والشعب السوداني، يكون الدعم السريع قد كتب نهايته بيده.



