علم الدين عمر يكتب : أعزوا الخدمة المدنية بخبرات الشرطة…

حاجب الدهشة ..
لأكثر من سبع مرات أعدت مشاهدة مقطع فيديو تم تداوله بالأمس علي نطاق واسع في (التايم لاين) السوداني لإستقبال الفريق شرطة طبيب أميرة عباس المدير الأسبق للخدمات الطبية بالشرطة السودانية من قبل عدد من الضباط والضابطات..وقبلها شاهدت ربما بنفس الطريقة الإستقبال الفخيم الذي حظي به الفريق شرطة عبدالرحمن حطبة خلال زيارته لرئاسة شرطة الإحتياطي المركزي..وفي الحالتين كانت هناك رسالة أعمق بكثير من الكلمات..وأكثر وضوحاً من أي خطاب رسمي..
ذلك الإستقبال المهيب..والفرح الصادق المرتسم على وجوه المستقبلين.. والإحترام الذي ملأ المكان..أعاد إلى ذهني فكرة قديمة ظللت أحتفظ بها لسنوات..لماذا لا تستفيد الدولة السودانية بصورة أكبر من الكفاءات التي صنعتها مؤسسة الشرطة في إدارة العمل المدني؟..
في كثير من دول العالم..لا ينتهي دور القادة الكبار بخروجهم إلى المعاش..فالتجارب والخبرات المتراكمة تتحول إلى رصيد وطني يوضع في خدمة الدولة عبر مواقع جديدة في الإدارة العامة والدبلوماسية والتخطيط والإستشارات..في السودان..ربما تكون مؤسسة الشرطة واحدة من أكثر المؤسسات القومية التي تمتلك هذا المخزون البشري النادر..
فالشرطة السودانية عبر تاريخها الطويل.. كانت مدرسة وطنية متكاملة لإعداد القادة ..ضباطها تعلموا إدارة الأزمات.. والتعامل مع المجتمعات المحلية.. وقيادة الفرق البشرية..والعمل تحت الضغط..واتخاذ القرار في اللحظات الحرجة..وانتشروا في الأندية الرياضية والجمعيات والمنظمات الثقافية والمجتمعية..وهي مهارات لا تقل أهمية عن أي مؤهل أكاديمي عند إدارة مؤسسات الدولة..
ولعل ما يميز القيادات الشرطية تحديداً أنها ظلت الأقرب إلى المجتمع والأكثر أحتكاكاً بتفاصيل حياته اليومية..فضابط الشرطة يعرف نبض الشارع..ويفهم طبيعة المجتمعات المحلية.. ويتعامل مع المواطنين بمختلف فئاتهم وشرائحهم.. ولهذا اكتسبت الأجيال المتعاقبة من قيادات الشرطة احتراماً واسعاً وثقة لم تأت من فراغ..صقلتها سنوات طويلة من الخدمة والإنضباط والإلتزام المهني..هي راية توارثها ضباط الشرطة بإنضباط شديد دفعة تلو الأخري..
فكرة الإستعانة بضباط الشرطة السابقين في مواقع الدولة المختلفة في تقديري تستحق التأمل الجاد..ليس من باب التكريم أو المجاملة..بل من باب الإستثمار في الخبرة الوطنية بمنطق..إنهم يصلحون للوزارة والوكالة والإستشارة.. بقدرات إستثنائية..يصلحون للتخطيط الإستراتيجي و العلاقات الخارجية و العمل الدبلوماسي.. كما أن بينهم خبرات متقدمة في مجالات الطب والقانون والإقتصاد والإعلام والهندسة والإدارة العامة..
لقد أثبتت تجربة الشرطة السودانية أن القيادات التي أنتقلت إلى مواقع مدنية حققت نجاحات لافتة لأن ما أكتسبته داخل المؤسسة من إنضباط وحسم وقدرة على الإنجاز ظل يرافقها أينما ذهبت..
لم يكن مشهد إستقبال الفريق أميرة عباس مجرد تكريم لشخصية محترمة.. بل كان شهادة حية على قيمة المؤسسة التي صنعت هذا القدر من المحبة والوفاء والإحترام..
ولهذا سيظل جهاز الشرطة السودانية أحد أهم روافد الكفاءة الوطنية في البلاد..وأحد أكبر مصانع القيادات المؤهلة لخدمة الدولة.. وكلما ضاقت خيارات الخدمة العامة..وأتسعت فجوة الكفاءات.. يصبح من الحكمة أن تلتفت الدولة إلى هذا المورد البشري الثمين الذي ظل لعقود طويلة يرفد السودان بخبرات نادرة..إستثمر فيها السودان وأهلها فأحسن تأهيلها..



