حرب بلا رصاص والنزوح بالإشاعة

بقلم/ محمد فؤاد عيد 

حين تتحول حرب المعلومات في السودان إلى كارثة سياسية وإنسانية

 

في السودان لم تعد الرصاصة وحدها هي التي تدفع الناس إلى الهرب ولم تعد الطائرات والمدافع وحدها هي التي تفرغ المدن من سكانها فقد أصبح الهاتف المحمول في أحيان كثيرة مقدمة لقافلة نزوح وأصبحت رسالة مجهولة المصدر قادرة على تحريك آلاف الأسر من مكان إلى آخر خلال ساعات قليلة

إشاعة تقول إن مدينة ستسقط

وتسجيل صوتي يحذر من هجوم وشيك

ومنشور مجهول يزعم أن طريقاً سيغلق

ورسالة تتحدث عن اقتراب قوة عسكرية من حي سكني

وبين لحظة انتشار الخبر ولحظة التحقق منه يكون المواطن قد حمل أطفاله وترك منزله وباع بعض ممتلكاته واتجه نحو طريق لا يعرف نهايته

هكذا تتحول الإشاعة من كلام عابر إلى واقع كامل

وقد يكون الخبر كاذباً لكن النزوح الذي صنعه يصبح حقيقة

وقد يكون التحذير مبالغاً فيه لكن ارتفاع أسعار النقل والغذاء والسكن يصبح أمراً واقعاً

وقد تكون المعلومة جزءاً من حرب نفسية لكن نتائجها تنزل على حياة الناس كأنها قصف حقيقي

وهنا تظهر أخطر مفارقات الحرب السودانية

فالإشاعة لا تحتاج إلى أن تكون صحيحة حتى تنتصر

يكفي فقط أن يصدقها مجتمع أنهكته الحرب وفقد ثقته في المؤسسات ولم يعد يعرف من يقول الحقيقة ومن يستخدمها.

 

مجتمع يعيش على حافة الخوف :

 

في الظروف الطبيعية يستطيع المواطن أن ينتظر ويتحقق ويسأل الجهات الرسمية ويقارن بين المصادر لكن المواطن السوداني في زمن الحرب لا يملك رفاهية الانتظار

هو يعيش في بيئة جرب فيها أن تتغير موازين السيطرة خلال ساعات وأن تنقطع الطرق فجأة وأن تتحول الأحياء الآمنة إلى ساحات قتال وأن تتوقف الأسواق والمستشفيات والمياه والكهرباء دون إنذار

لذلك فإن أسوأ خبر قد يبدو له أكثر تصديقاً من أي طمأنة رسمية

ولا يعود السؤال عنده هل الخبر صحيح بل يصبح السؤال ماذا لو كان صحيحاً ولم أتحرك الآن هذا السؤال وحده كفيل بتحريك آلاف الأسر.

ومن هنا تنشأ حالة يمكن وصفها بالنزوح الوقائي أو النزوح بالإشاعة حيث يغادر الناس قبل وصول الخطر وقد يغادرون حتى في غياب الخطر بسبب الخوف من احتمال وقوعه

وفي بعض الأحيان يكون الخوف من الحرب أشد تأثيراً من الحرب نفسها لأن الحرب قد تقع في منطقة محددة أما الإشاعة فتصل إلى كل بيت وكل هاتف وكل أسرة.

 

السياسة التي تصنع الخوف :

 

لا تنمو الإشاعات في فراغ بل تتغذى على البيئة السياسية المنقسمة وعلى غياب المعلومة الموثوقة وعلى تعدد مراكز القرار وعلى صراع الأطراف في تقديم روايات متناقضة

كل طرف يريد أن يبدو منتصراً وكل طرف يريد أن يظهر خصمه منهاراً وكل طرف يستخدم المنصات الإلكترونية لتضخيم تقدمه أو إخفاء خسائره أو بث الرعب في مناطق خصمه وبين رواية تقول إن الجيش يتقدم ورواية تقول إن قوات الدعم السريع تطوق المدينة ورواية ثالثة تتحدث عن انسحابات وانشقاقات واتفاقات سرية يجد المواطن نفسه محاصراً بحرب من الأخبار لا تقل قسوة عن الحرب في الميدان

ولأن الثقة في الخطاب الرسمي ضعفت خلال سنوات طويلة من التضليل السياسي أصبح المواطن يميل أحياناً إلى تصديق التسجيل المجهول أكثر من البيان الحكومي

وهذه نتيجة خطيرة صنعتها السلطة والمعارضة معاً حين تحول الإعلام في فترات مختلفة إلى وسيلة تعبئة لا إلى أداة معرفة وتحقيق

فعندما تعتاد الحكومات إخفاء الحقيقة وعندما تبالغ القوى السياسية في وصف كل حدث وعندما تتحول الصفحات الإلكترونية إلى غرف عمليات يصبح المجتمع بلا بوصلة وفي غياب البوصلة يقود الخوف الناس

 

الإشاعة بوصفها سلاحاً سياسياً..

 

قد تبدو الإشاعة فعلاً عفوياً لكن بعضها يصنع بعناية

قد تُنشر شائعة عن سقوط منطقة بهدف دفع السكان إلى مغادرتها

وقد يُضخّم خبر عن اقتراب قوة عسكرية لإرباك خصم سياسي أو عسكري

وقد تُنشر معلومات عن نقص الغذاء والوقود لدفع الناس إلى التخزين وخلق أزمة في السوق

وقد تُستخدم إشاعات الانتهاكات لتأجيج الكراهية بين المجتمعات وقطع الطريق أمام أي مصالحة مستقبلية

وبذلك تتحول الإشاعة من خبر كاذب إلى أداة لإدارة الحرب

فالطرف الذي يستطيع إفراغ منطقة من سكانها دون قتال يحقق مكسباً عسكرياً وسياسياً والطرف الذي يربك الأسواق يضغط على خصمه اقتصادياً والطرف الذي يزرع الشك بين السكان والسلطات يضعف قدرة الدولة على إدارة الأزمة

وفي السودان حيث تختلط الجغرافيا بالقبيلة والسياسة بالسلاح يصبح نشر الخوف في منطقة معينة فعلاً له آثار بعيدة المدى

فالنزوح لا يغير فقط مكان إقامة الناس بل قد يغير التركيبة السكانية ويعطل الزراعة والتجارة ويفرغ القرى من سكانها ويضعف الروابط الاجتماعية ويعيد توزيع النفوذ بين القوى المسيطرة

ولهذا فإن الإشاعة في زمن الحرب قد تصبح أداة لإعادة تشكيل الواقع السياسي نفسه.

 

الاقتصاد الذي يفتح أبواب الكارثة :

 

لا يمكن فهم أثر الإشاعات على النازحين بعيداً عن العامل الاقتصادي فالأسرة التي تملك المال تستطيع الانتقال إلى مدينة أكثر أمناً واستئجار منزل وشراء الغذاء ودفع تكاليف العلاج والنقل أما الأسرة الفقيرة فقد تتحرك بسبب الإشاعة ثم تجد نفسها في الطريق بلا مال ولا مأوى وقد تضطر إلى بيع ممتلكاتها بثمن بخس قبل الرحيل وقد تدفع أضعاف السعر المعتاد للوصول إلى منطقة أخرى وقد تسكن في مدرسة أو مسجد أو مخيم مزدحم وقد تنقطع عن العمل والتعليم والعلاج

وهكذا يتحول خبر غير مؤكد إلى انهيار اقتصادي كامل للأسرة

بل إن بعض التجار وأصحاب المركبات قد يستفيدون من موجات الخوف فيرفعون الأسعار ويحتكرون الوقود والغذاء ويضاعفون أجرة النقل حيث انة عندما تنتشر شائعة عن إغلاق طريق أو انقطاع سلعة يندفع الناس إلى الشراء والتخزين فتختفي السلع بالفعل من الأسواق

وعندها تصنع الإشاعة الأزمة التي تحدثت عنها

فالخبر الذي زعم أن الخبز سينفد يدفع الناس إلى شراء كميات أكبر فينفد الخبز

والإشاعة التي تقول إن الوقود سيختفي تدفع أصحاب المركبات إلى الاصطفاف فيختفي الوقود

والحديث عن قرب انهيار العملة يدفع الناس إلى تحويل مدخراتهم فتتراجع الثقة في السوق

وهذا ما يسمى في الاقتصاد بالنبوءة التي تحقق ذاتها حيث يؤدي الخوف من الأزمة إلى وقوعها

 

العودة تحت ضغط الفقر :

 

الإشاعة لا تدفع الناس إلى النزوح فقط بل قد تدفعهم أيضاً إلى العودة المبكرة فقد تنتشر أخبار تقول إن منطقة ما أصبحت آمنة أو إن الخدمات عادت أو إن السلطات ستمنع العودة لاحقاً فيقرر النازحون الرجوع لكن بعضهم لا يعود لأن الأمن اكتمل بل لأن المال نفد حيث ان الإيجارات مرتفعة والمساعدات محدودة وفرص العمل ضعيفة وتظل الأسرة موزعة بين أكثر من مدينة أو دولة وفي هذه الحالة يصبح القرار الاقتصادي أقوى من التقدير الأمني

تعود الأسر إلى منازل مدمرة وأحياء تفتقر إلى المياه والكهرباء والمستشفيات ثم تكتشف أن العودة لم تكن نهاية النزوح بل بداية نزوح جديد

وقد يتحول المواطن إلى نازح دائري يخرج من مدينته ثم يعود إليها ثم يهرب منها مرة أخرى

وهذه الدورة لا تستنزف المال فقط بل تستنزف النفس والكرامة والأمل

 

أمثلة من تجارب الشعوب :

 

عرفت مناطق كثيرة في العالم أثر الشائعات في صناعة الكوارث

في الحروب الأهلية أدت أخبار غير مؤكدة عن مذابح وشيكة إلى إفراغ قرى ومدن بأكملها وفي بعض النزاعات استُخدمت الإذاعات والمنشورات لنشر الكراهية والتحريض ودفع الناس إلى مهاجمة جيرانهم

وفي أزمات اللاجئين أدت شائعات فتح الحدود إلى تدافع آلاف الأشخاص نحو المعابر ثم وجدوا الحدود مغلقة فعاشوا أياماً بلا غذاء أو مأوى

وفي الأوبئة تسببت معلومات كاذبة في رفض العلاج أو الهروب من مراكز الحجر وانتشار العدوى

والدرس الذي تقدمه هذه التجارب هو أن المعلومة في الأزمات ليست مجرد كلام بل قد تكون مسألة حياة أو موت.

 

الغرف الإلكترونية والجيوش غير المرئية :

 

من أخطر ظواهر الحرب السودانية صعود ما يعرف بالغرف الإلكترونية

وهي مجموعات منظمة أو شبه منظمة تعمل على نشر روايات بعينها وتوجيه الرأي العام والهجوم على الخصوم وتصنيع اتجاهات وهمية

بعض هذه الغرف يعمل لصالح أطراف عسكرية وبعضها مرتبط بقوى سياسية وبعضها يتحرك بدافع قبلي أو جهوي وبعضها يبحث فقط عن المشاهدات والانتشار

لكن النتيجة واحدة

تضخم الأخبار غير المؤكدة وتنتشر المقاطع القديمة باعتبارها جديدة وتُنسب الصور إلى مدن لم تقع فيها وتنتشر تسجيلات صوتية لا يعرف مصدرها والحقيقة حينها ومع سرعة التداول يصبح التصحيح أبطأ من الكذب.

فالخبر الكاذب قد يصل إلى مليون شخص خلال ساعة أما نفيه فقد لا يصل إلا إلى جزء صغير منهم بعد أن يكون الضرر قد وقع.

والأخطر أن بعض الناس يصدقون المعلومة التي تنسجم مع موقفهم السياسي حتى إن كانت ضعيفة.

من يؤيد الجيش يصدق ما يؤكد انتصاره.

ومن يؤيد خصومه يصدق ما يشير إلى تراجعه.

ومن يحمل موقفاً قبلياً يصدق ما يدين القبيلة الأخرى.

وهكذا تصبح الحقيقة ضحية الانقسام.

 

أين الدولة :

 

في مثل هذه الظروف يفترض أن تكون الدولة هي المصدر الأسرع والأكثر دقة للمعلومة لكن عندما تتأخر البيانات الرسمية أو تأتي غامضة أو سياسية أو متناقضة تترك الدولة مساحة واسعة للإشاعة ولا يكفي أن تقول السلطات إن الأوضاع تحت السيطرة بينما يسمع المواطن أصوات المدافع

ولا يكفي أن تنفي وقوع حدث دون تقديم معلومات واضحة.

ولا يكفي أن تتهم كل خبر مخالف بأنه جزء من مؤامرة.

المطلوب هو نظام اتصال في الأزمات يقدم معلومات دورية عن الطرق الآمنة ومناطق القتال ومراكز الإيواء والخدمات الصحية وأماكن توزيع الغذاء

كما يجب أن توجد قنوات معروفة يستطيع المواطن من خلالها التحقق من الأخبار لأن محاربة الإشاعة لا تتم بالاعتقال وحده ولا بإغلاق المنصات بل ببناء الثقة وتوفير المعلومة الصحيحة بسرعة، فالفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغاً إذا لم تملأه الدولة ملأته الشائعة.

 

مسؤولية الإعلام:

 

على الإعلام السوداني أيضاً أن يراجع دوره فليس كل خبر عاجل يستحق النشر وليس كل تسجيل صوتي مادة صحفية وليس كل ادعاء عسكري حقيقة

وفي أوقات النزوح يجب أن تكون الأولوية لحماية المدنيين لا للمنافسة على السبق الصحفي الذي ينشر خبراً غير متحقق عن سقوط مدينة قد يدفع آلاف الأشخاص إلى الهرب

والمنصة التي تنشر خريطة عسكرية خاطئة قد توجه المدنيين نحو طريق أخطر

والمذيع الذي يكرر شائعة عن نقص الغذاء قد يخلق حالة هلع في الأسواق

لذلك فإن الخطأ الإعلامي في زمن الحرب ليس مجرد خطأ مهني بل قد يتحول إلى فعل يهدد حياة الناس.

 

من يحمي النازحين من الأخبار :

 

النازح لا يحتاج فقط إلى خيمة وغذاء وماء بل يحتاج أيضاً إلى معلومة موثوقة فالمعلومة الآمنة أصبحت جزءاً من العمل الإنساني يجب أن تصل إلى النازحين تنبيهات واضحة عن الطرق والمخاطر ومراكز الخدمات

ويجب أن تُستخدم الإذاعات المحلية والرسائل الهاتفية وصفحات المؤسسات لنشر تحديثات منتظمة

ويجب تدريب العاملين في المخيمات ومراكز الإيواء على مواجهة الشائعات قبل أن تتحول إلى حركة جماعية

كما ينبغي إشراك قادة المجتمعات المحلية لأن الناس قد يثقون في المعلم أو الطبيب أو إمام المسجد أو شيخ الحي أكثر من ثقتهم في البيانات السياسية.

 

الكارثة التي تبدأ بكلمة :

 

السودان اليوم ليس فقط ساحة لحرب السلاح بل ساحة لحرب المعنى كل طرف يريد أن يفرض روايته وكل جهة تريد أن تعيد تفسير ما يحدث

وفي المنتصف يقف المواطن البسيط محاولاً معرفة أين يذهب ومتى يهرب ومتى يعود لكن الخطورة أن المواطن لا يملك دائماً الوقت للتحقق فقد يختار البقاء فيموت وقد يختار الرحيل فيفقد كل شيء وقد يعود فيجد الحرب تنتظره وقد يصدق إشاعة فتتحول حياته كلها إلى رحلة نزوح جديدة.

ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس فقط استمرار الحرب بل تحول المجتمع كله إلى رهينة للخوف عندها تصبح المدن قابلة للإفراغ بكلمة والأسواق قابلة للانهيار بمنشور والقبائل قابلة للاشتعال بتسجيل والنازحون قابلين للتحريك من معسكر إلى آخر برسالة مجهولة

وفي بلد منهك اقتصادياً وسياسياً وإنسانياً قد تكون الإشاعة الشرارة التي لا تحتاج إليها الكارثة.

إن حماية السودانيين اليوم لا تبدأ فقط بوقف المدافع بل أيضاً بوقف الكذب المنظم وإعادة الاعتبار للحقيقة

ففي زمن الحرب قد تقتل الرصاصة إنساناً واحداً

أما الإشاعة فقد تدفع مدينة كاملة إلى الهرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى