منى ابوزيد تكتب : رسائل لن تصل إليهم..!

هناك فرق ..
“ربما كانت أكبر خسائر الحب في عصر الشاشات أننا أصبحنا نقرأ المشاعر أكثر مما نراها”.. الكاتبة..!
ثمة أشياء كثيرة يمكن للكلمات أن تقولها، وأشياء أكثر تعجز عن قولها مهما أتقنا ترتيب الجمل. ولعل العلاقات العاطفية من أكثر الأشياء التي تكشف هذه الحقيقة. فالرسالة المكتوبة تستطيع أن تقول ” اشتقت إليك، لكنها لا تستطيع أن تنقل تماماً كيف كان سيقول بها صاحبها لو كان أمامك، ولا مقدار ما كان سيظهر في عينيه من شوق، ولا ذلك الصمت القصير الذي يسبق الكلمة أو يتأخر عنها، ولا تلك الابتسامة التي قد تفضح من المشاعر أكثر مما تفضحه العبارات نفسها..!
لقد منحتنا وسائل التواصل الاجتماعي قدرة هائلة على اختصار المسافات، لكنها اختصرت في الوقت نفسه شيئاً من التفاصيل التي كانت تمنح العلاقات الإنسانية حرارتها. صار بإمكان رجل وامرأة أن يتبادلا الحديث لساعات وهما في بلدين مختلفين، وأن يعرف كل منهما أخبار الآخر لحظة بلحظة، وأن يرسلا الصور والتسجيلات الصوتية والقلوب الحمراء، ومع ذلك قد يظل بينهما شيء لا تصل إليه كل هذه الرسائل “الحضور”..!
فلغة الجسد ليست ترفاً زائداً على الكلام، إنها جزء من الكلام نفسه، وربما كانت أصدقه أحياناً. في اللقاء الحقيقي نرى التردد قبل الإجابة، والارتباك حين تقترب المسافة، والفرح الذي لا يحتاج إلى إعلان، والفتور الذي تحاول الكلمات أن تخفيه، ونفهم من نبرة الصوت ما لا تقوله الجملة. أما الشاشة فتمنحنا نسخة من الإنسان، منتقاة بعناية، قابلة للمراجعة قبل الإرسال، وقابلة للحذف بعده. يستطيع المرء أن يفكر طويلًا قبل أن يجيب، وأن يعيد صياغة مشاعره، وأن يخفي ارتباكه خلف عبارة محسوبة، فيبدو أكثر وضوحاً مما هو عليه في الحقيقة، أو العكس أحياناً..!
ولذلك ربما أصبحت بعض العلاقات الحديثة شديدة الكلام، قليلة المعرفة. نعرف ماذا يكتب الآخر، لكننا لا نعرف كيف يصمت. نعرف ما الذي يضحكه في الرسائل، لكننا لا نرى وجهه حين يفرح. نعرف أنه غاضب لأنّه كتب عن ذلك، لكننا لا نعرف كيف يبدو غضبه حين يكون أمامنا. وقد نعتاد صورة إلكترونية لشخص ما، ثم نكتشف عند اللقاء أن بين الصورة والإنسان مسافة كاملة من التفاصيل التي لم تخبرنا بها الشاشة..!
ومع ذلك، ليست المشكلة في التكنولوجيا وحدها، فالرسائل أحياناً تمنح المحبين شجاعة لا تمنحهم إياها اللقاءات، وتسمح لمن يعجز عن التعبير شفاهة بأن يجد كلماته. لكن المشكلة تبدأ حين تصبح الرسالة بديلاً دائماً عن اللقاء، وحين نتصور أن كثرة الحديث تعني بالضرورة عمق العلاقة..!
فالعلاقات العاطفية لا تحتاج إلى الكلام فقط، بل تحتاج إلى أن يرى أحدنا الآخر وهو يقول الكلام، تحتاج إلى تلك الأشياء الصغيرة التي لا تجد لها خانة في لوحة المفاتيح “نظرة تطول قليلًا، يد تتردد قبل أن تبتعد، صوت يتغير حين يناديك، وصمت يفهمه شخصان دون أن يضطرا إلى تفسيره”..!
ربما لهذا لا تكون المسافة الحقيقية بين رجل وامرأة هي عدد الكيلومترات التي تفصل بينهما، وإنما عدد التفاصيل التي لا يستطيعان مشاركتها. فالرسائل قد تقرَّب البعيد، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنح القرب معناه الكامل..!
وفي الحب كما في الحياة، هناك أشياء لا تُقال، لأنها خُلقت لكي تُرى!.
munaabuzaid2@gmail.com



