السودان بعد الحرب بين جيش الدولة وجيوش السياسة

حلفاء اليوم… خصوم الغد؟
ومن يضمن ألا تتكرر تجربة الدعم السريع؟
بقلم/ محمد فؤاد عيد
في الحروب لا يكون الخطر دائماً أمامك أحياناً يقف إلى جوارك يحمل السلاح نفسه ويقاتل العدو نفسه ويرفع الشعار نفسه لكن السؤال الذي تؤجله المعركة يعود عادة بعد أن تصمت المدافع:
وماذا بعد؟
السودان اليوم يعيش واحدة من أعقد حروبه والجيش لا يقاتل وحده بل تقف إلى جانبه القوة المشتركة وعدد من الحركات المسلحة والتشكيلات التي فرضت ظروف الحرب اصطفافاً عسكرياً واسعاً في مواجهة قوات الدعم السريع وهنا يبرز السؤال الذي قد يبدو قاسياً لكنه مشروع تماماً في ميزان الدولة لكن هل يأمن الجيش هؤلاء الحلفاء بعد انتهاء الحرب ؟ وهل يأمن قوات حركة العدل والمساواة ؟ وكذلك هل يأمن قوات مني أركو مناوي؟ بل هل يأمن كل قوة حملت السلاح إلى جواره اليوم؟
والأهم:
من الذي يضمن ألا تتحول إحدى هذه القوات في المستقبل إلى نسخة جديدة من تجربة الدعم السريع؟
السؤال هنا ليس تشكيكاً في النوايا ولا اتهاماً لجبريل إبراهيم ولا اتهاماً لمناوي ولا تنبؤاً بانقلاب الحليف على الجيش إنه سؤال يتعلق بطبيعة الدولة نفسها
فالدولة التي تحتاج إلى أن تثق في قادة عدة جيوش داخل أراضيها تعيش أصلاً أزمة في مفهوم السيادة
الدعم السريع لم يسقط من السماء:
واحدة من أخطر الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها السودانيون هي التعامل مع تجربة الدعم السريع باعتبارها حادثاً استثنائياً ارتبط فقط بشخص حميدتي فالمشكلة أكبر من الرجل وقبل أن تصبح قوات الدعم السريع عدواً للجيش كانت قوة تعمل داخل الدولة وتتحالف معها وتقاتل إلى جانبها في مراحل مختلفة
ثم كبرت
واتسعت
وامتلكت المال
وكذلك السلاح وتبعة الرجال وبالطبع النفوذ السياسي
والعلاقات الخارجية حتى أصبح السؤال في النهاية:
من يملك القرار؟
وهنا انفجرت الدولة من داخلها
لهذا فإن الدرس الحقيقي لا يقول فقط:
لا تصنعوا حميدتي جديداً
بل يقول:
لا تصنعوا بنية تسمح أصلاً بوجود جيش موازٍ للجيش
ماذا لو تكرر السيناريو ولكن باسم آخر؟ :
لا أحد يستطيع اليوم أن يقول إن جبريل إبراهيم أو مناوي يريدان مواجهة الجيش مستقبلاً ولا توجد قاعدة منطقية تسمح بافتراض ذلك لمجرد امتلاكهما قوات
لكن السياسة لا تُبنى على قراءة القلوب والاستراتيجية لا تُدار بالنوايا
فالزعيم الذي يعلن اليوم ولاءه للدولة قد يرحل غداً وقد يأتي بعده قائد آخر بل قد تتغير التحالفات وقد تتبدل التوازنات وابعد من ذلك قد تدخل البلاد أزمة سياسية جديدة وعندها ماذا يحدث إذا كانت كل حركة لا تزال تحتفظ بقواتها؟ ماذا يحدث إذا كان لكل قائد آلاف الرجال؟ ومحتفظآ معسكراته؟ وسلاحه؟ ومصادر تمويله؟ ومناطق نفوذه؟
ألا يصبح الخلاف السياسي قابلاً للتحول في لحظة إلى مواجهة عسكرية؟ ولعل أخطر ما في السلاح أنه يتحول إلى صوت سياسي
الحركات المسلحة في السودان لم تعد مجرد تشكيلات عسكرية:
لقد أصبح السلاح نفسه جزءاً من الوزن السياسي حيث كلما امتلكت الحركة رجالاً أكثر وسلاحاً أكثر ارتفع وزنها على طاولة التفاوض وهنا تنشأ أخطر معادلات ما بعد الحرب ومن يتخلى عن سلاحه أولاً قد يخشى أن يفقد نفوذه أولاً وهكذا يصبح السلاح ضمانة ليس فقط للحماية بل للمقعد السياسي
وللوزارة وللنفوذ وللتفاوض وللوجود داخل السلطة
وهنا تبدأ الدولة في فقدان احتكارها الحقيقي للقوة
وهل تختلف القوة المشتركة عن الدعم السريع؟ :
نعم
هناك اختلافات واضحة في ظروف النشأة والتاريخ والدوافع السياسية كذلك الحركات المسلحة التي وقعت اتفاقات سلام لا يمكن اختزالها تلقائياً في تجربة الدعم السريع
لكن جوهر السؤال لا يتعلق بالتاريخ
بل بالنتيجة
إذا ظلت كل قوة محتفظة بجيشها فإن الدولة ستظل تحتوي على عدة مراكز للقوة المسلحة
وحين توجد عدة بنادق بقرارات مختلفة يصبح السلام نفسه مؤقتاً
الحليف الذي لا يندمج يبقى مشروع مركز قوة ربما تقاتل حركة اليوم بإخلاص كامل إلى جانب الجيش
وربما تخسر مئات المقاتلين في المعركة
وربما تقدم تضحيات حقيقية
لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الأكبر:
هل ستدخل هذه القوة لاحقاً في جيش قومي واحد؟ أم ستظل موجودة كقوة مستقلة؟
الفرق بين الحالتين هو الفرق بين دولة تتعافى من الحرب ودولة تؤجل حربها التالية
المشكلة ليست في جبريل أو مناوي … ومن الخطأ اختزال القضية في أسماء فحتى لو افترضنا أن كل قادة الحركات الحاليين ملتزمون تماماً بمبدأ الجيش الواحد فإن السؤال يجب أن يبقى قائماً
ماذا عن من يأتي بعدهم؟
وماذا عن الانقسامات داخل الحركات نفسها؟
وماذا عن صراعات القيادة؟
وماذا عن الخلاف على السلطة والثروة؟
وماذا لو رفضت مجموعة داخل حركة ما قرار الدمج؟
ومعلوم بأن السلاح حين ينتشر خارج المؤسسة الرسمية لا يبقى دائماً تحت السيطرة التي أنشأته
وهذه حقيقة أثبتتها تجارب عديدة لذلك الجيش أيضاً أمام امتحان والمسؤولية ليست على الحركات وحدها
فمن المؤكد بأن الجيش نفسه سيواجه بعد الحرب سؤالاً مصيرياً وهو هل سيكون مستعداً لبناء مؤسسة عسكرية قومية لا تقوم على التحالفات المؤقتة؟ أم سيستمر في إدارة الدولة بمنطق المجموعات المسلحة المتحالفة؟
ذلك لأن استخدام القوى المسلحة الموازية قد يكون مفيداً في الحرب
لكنه يصبح شديد الخطورة في السلام وما بعد الانتصار قد يكون أصعب من الحرب
والانتصار العسكري إذا حدث لن يعني نهاية الأزمة بل قد يكون بداية سؤال أكثر تعقيداً وهو ماذا نفعل بكل هذه الجيوش؟ ومن يسلم سلاحه أولاً؟ بل من يضمن حقوق المقاتلين؟ ومن يحدد الرتب؟ ومن يبقى؟ ومن يخرج؟ ومن يندمج؟ ومن يتحول إلى حزب سياسي؟ ومن يرفض؟
وللحقيقة هذه ليست تفاصيل إدارية ولا تنبؤات بل هذه هي معركة السودان القادمة لذلك السؤال الذي لا ينبغي تأجيلة هل يريد السودان هزيمة الدعم السريع فقط؟ أم يريد إنهاء فكرة القوات الموازية نفسها؟
وإذا كانت الإجابة هي الأولى فقد تتوقف حرب وتبدأ أخرى بعد سنوات أما إذا كانت الإجابة هي الثانية فإن الطريق يبدأ من قاعدة واضحة واسس لابد من اتباعها وهى لا سلاح خارج الدولة ولا جيش داخل الجيش ولا حركة سياسية تمتلك قوة عسكرية مستقلة
كيف نمنع ظهور حميدتي جديد؟
الإجابة ليست بهذه السهولة .. لأن أخطر ما تتركه الحروب ليس فقط الدمار والضحايا والنزوح بل السلاح والرجال الذين اعتادوا حمله والقيادات التي بنت نفوذها من خلاله والحركات التي أصبح وجودها السياسي مرتبطاً بقوتها العسكرية
وهنا يأتى السؤال الذي قد يكون أهم من سؤال من انتصر في الحرب وهو كيف يمنع السودان ظهور حميدتي جديد؟ والجميع على قناعة بأنة لا يكفي أن تهزم قوة واحدة فإذا انتهت قوات الدعم السريع بصورتها الحالية لكن بقيت في السودان عشرات التشكيلات المسلحة فإن أصل المشكلة سيظل قائماً لذلك فأن الخطر لم يكن فقط في اسم الدعم السريع بل الخطر كان في وجود قوة عسكرية ضخمة تعمل إلى جوار الجيش ولكنها تحتفظ بقيادتها وقرارها ومصالحها
وهذا النموذج إذا بقي ممكناً يمكن أن يعيد إنتاج نفسه قد يأتي بصورة مختلفة وقائد مختلف ورمز مختلف لكن الجوهر واحد قوة تملك السلاح داخل الدولة ولا تخضع بالكامل للدولة
ومعلوم من يملك السلاح يملك ورقة تفاوض وسيصبح بعد الحرب سيواجه السودان مأزقاً حقيقياً حين تقول كل حركة مسلحة لقد قاتلنا وضحينا وخسرنا رجالاً وكان لنا دور في المعركة فكيف يطلب منا الآن تسليم السلاح؟ وهذا السؤال مفهوم من زاوية هذه الحركات لكن إذا استجابت الدولة لهذا المنطق وسمحت لكل قوة بالاحتفاظ بسلاحها فإنها تؤسس بصورة مباشرة لصراع جديد لأن السلاح سيتحول إلى ضمانة سياسية
ومن يمتلك القوة سيجلس على الطاولة بشروط أفضل ومن لا يمتلكها سيشعر بأنه أضعف وحينها ستصبح السياسة نفسها رهينة للبندقية
الدولة التي لا تحتكر السلاح ليست دولة مكتملة السيادة:
من أبسط قواعد الدولة الحديثة أن قرار استخدام القوة يجب أن يكون قراراً وطنياً مركزياً لا قرار حزب ولا حركة ولا قبيلة ولا قائد ميداني ولا تحالف مؤقت ولهذا فإن أي مشروع جاد لما بعد الحرب يجب أن يبدأ من نقطة واحدة وهى من يحتفظ بقوة مسلحة مستقلة لا يمكن أن يكون في الوقت نفسه جزءاً طبيعياً من النظام السياسي المدني إما أن تكون حركة سياسية أو قوة عسكرية والجمع بين الاثنين هو بداية الخلل والدمج ليس مجرد ارتداء الزي العسكري وحتى كلمة “الدمج” نفسها تحتاج إلى الحذر فإذا جرى إدخال قوة مسلحة كاملة إلى الجيش وهي تحتفظ بقادتها وولاءاتها القديمة وروابطها السياسية فإن المشكلة لا تكون قد انتهت بل انتقلت إلى داخل المؤسسة العسكرية والدمج الحقيقي يعني تفكيك الولاءات السابقة وتوحيد القيادة والتدريب والعقيدة العسكرية والرتب والتجنيد وسلسلة الأوامر بحيث يصبح الجندي تابعاً للدولة لا للحركة التي جاء منها أما إدخال كتلة عسكرية كاملة مع الاحتفاظ بهويتها السابقة فقد يصنع جيشاً من عدة جيوش داخل هيكل واحد وهذا هو الخطر بعينة
خمسة أسئلة ستحدد مستقبل السودان:
بعد الحرب سيكون على السودانيين مواجهة خمسة أسئلة مباشرة وهى هل ستكون هناك مؤسسة عسكرية واحدة؟ وهل ستقبل الحركات المسلحة التحول إلى أحزاب مدنية؟ وهل سيتوقف التجنيد خارج المؤسسة الرسمية؟ هل تخضع كل الموارد العسكرية لميزانية الدولة؟ وهل تصبح الرتب العسكرية مرتبطة بالمهنية لا بالمكافآت السياسية؟
وإذا فشلت الدولة في الإجابة عن هذه الأسئلة فإن أي سلام سيكون هشاً
لا تجعلوا السلاح طريقاً إلى الوزارة:
من أخطر الرسائل التي يمكن أن تستقر في الوعي السياسي السوداني أن من يريد نصيباً أكبر من السلطة عليه أن يحمل السلاح لأن النتيجة ستكون واضحة كل مجموعة ستبحث عن جيش صغير خاص بها وكل إقليم سيشعر أن السلاح هو الطريق الأسرع للحصول على النفوذ وكل أزمة سياسية ستتحول إلى سباق تسلح وهنا يصبح السودان سوقاً دائماً للحركات المسلحة
المشكلة ليست في دارفور وحدها:
قد يظن البعض أن قضية السلاح مرتبطة بالحركات الدارفورية فقط وهذا خطأ والدليل ان الحرب الأخيرة خلقت تشكيلات مسلحة في مناطق متعددة ومجموعات محلية ومستنفرين وتحالفات عسكرية وخبرات قتالية واسعة ولهذا فإن معالجة السلاح يجب أن تكون وطنية وشاملة لا انتقائية
فإذا طُلب من حركة أن تسلم سلاحها بينما يسمح لأخرى بالاحتفاظ به تنهار العملية كلها لذلك القانون يجب أن يطبق على الجميع
وماذا عن الجيش؟ :
الجيش أيضاً يجب أن يخضع لإصلاح حقيقي فمبدأ الجيش الواحد لا يعني فقط دمج الآخرين فيه بل بناء جيش قومي مهني لا يمثل حزباً أو منطقة أو أيديولوجيا
لأن دمج الحركات في مؤسسة غير متفق قومياً على طبيعتها لن يحل الأزمة
بل قد يعيد إنتاجها داخل المؤسسة نفسها
إذن نحن لا نتحدث فقط عن نزع سلاح الحركات بل عن إعادة بناء العلاقة بين الجيش والدولة والسياسة
السياسة بلا بنادق:
وهى المعادلة الطبيعية بسيطة ومن يريد السلطة يتنافس عبر السياسة ومن يريد الخدمة العسكرية يخضع لقواعد المؤسسة أما أن يدخل السياسي إلى القصر محمياً بقواته الخاصة فهذه ليست سياسة وهذه ليست دولة وهذا ليس سلاماً حيث ان الخطر الحقيقي يبدأ بعد توقف الرصاص
والمؤكد بأنة أثناء الحرب يعرف الجميع من هو العدو لكن بعد الحرب تصبح الصورة أكثر تعقيداً وتبدأ المنافسة على السلطة وعلى الموارد وعلى المواقع وعلى إعادة ترتيب الدولة
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمؤسسات
لأن الاتفاق الشخصي بين القادة قد يصمد عاماً أو عامين لكن القانون هو الذي يجب أن يصمد عقوداً
حميدتي الجديد قد لا يشبه حميدتي اليوم :
وهذه ربما أهم نقطة فإذا ظهر في المستقبل قائد لقوة موازية فلن يأتي بالضرورة بالشكل نفسه قد يكون قائد حركة أو زعيم قوة محلية أو شخصية عسكرية جديدة أو تحالفاً إقليمياً لكن إذا كانت الدولة قد أبقت الباب مفتوحاً أمام وجود قوة مسلحة مستقلة فإن الاسم لا يهم كثيراً فقط المشكلة ستكون قد عادت
الخاتمة :
السودان لا يحتاج بعد الحرب إلى اتفاق ثقة بين البرهان وجبريل ولا إلى تعهد بين الجيش ومناوي ولا إلى مصافحة بين الجنرالات يحتاج إلى شيء أكبر من الأشخاص جميعاً يحتاج إلى دولة تجعل الخيانة أو التمرد أو الانقلاب المسلح أكثر صعوبة لأن السلاح نفسه لا يكون موزعاً بين مراكز متعددة لهذا فإن السؤال الذي يجب أن يوجه مرحلة ما بعد الحرب ليس:
من نثق فيه؟
بل:
ما النظام الذي يجعل الثقة الشخصية غير ضرورية أصلاً؟
فالدولة القوية لا تعتمد على أن يكون قائد القوة المسلحة رجلاً جيداً بل تمنع وجود قوة مستقلة يمكن لقائدها أياً كان أن يضعها يوماً في مواجهة الدولة والدرس الذي ينبغي ألا يضيع وسط ركام الحرب هو أن السودان لن يخرج من أزمته بمجرد هزيمة الدعم السريع بل سيخرج منها فقط عندما تصبح القاعدة واضحة ونهائية وهى جيش واحد
قيادة واحدة وسلاح واحد ولا عودة أبداً إلى دولة الجيوش المتعددة.



