المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة -الجزء 16/14 

الفتح الصامت.. طين الأرض وعروق المصاهرة

​بعيداً عن جلبة الجيوش وصلصلة السيوف في ساحات المعارك، كان هناك فتح آخر يجري في وادي النيل ببطء وصمت، تصوغه حركة الحياة اليومية وتفاصيل الوجود الإنساني. تدفقت الهجرات العربية نحو السودان عبر البحر الأحمر من الشرق، ومن بوابات مصر في الشمال، حيث استوطن المهاجرون الأرض، وتنفسوا هواءها، وذابوا في نسيجها الاجتماعي. لم يكن هؤلاء رعاة غزاة يحملون رغبة التدمير، بل كانوا يبحثون عن الكلأ، وتجاراً يسوقون القوافل، ورجال دين يحملون بساطة الإيمان، ليعيدوا صياغة وجدان المنطقة وهويتها من الداخل وبأعمق الطرق الإنسانية.

​رحلة ربيعة وجهينة في وادي النيل:

تدفقت بطون القبائل العربية مثل ربيعة، وجهينة، والمجموعات الجعلية والدنقلاوية، والكنوز، متتبعةً مجاري المياه ودروب القوافل الشاقة منذ القرن الثامن الميلادي وتكثفت بعد عام 1200 م. في أرض “مريس” وشمال دنقلا، وجد هؤلاء العرب بلاداً أنهكتها الحروب والضرائب، فاستقروا في قراها ونثروا خيامهم في بواديها. تميزت المجموعة الجعلية-الدنقلاوية بقدرة فائقة على الاستقرار والانصهار في مجتمعات المزارعين النوبيين على ضفاف النيل، فتكلموا لغتهم وتأثروا بعاداتهم، وفي الوقت ذاته، غرسوا لغتهم العربية وقيمهم الروحية الجديدة في تربة المكان، ليتحول الوجود العربي إلى مكون أصيل من مكونات طين الأرض.

​ذكاء المصاهرة وسقوط القلاع بالنظام الأمومي:

امتلك المهاجرون العرب مفتاحاً سحرياً مكنهم من اختراق الحصون السياسية للممالك النوبية دون الحاجة إلى القتال، وتجسد هذا المفتاح في “النظام الأمومي” المتجذر في ثقافات النوبة وكوش القديمة. تزوج شيوخ العرب وزعماؤهم من بنات الملوك والأمراء المحليين خلال القرن الرابع عشر الميلادي، وحسب القانون النوبي العتيق، فإن ابن الأخت هو من يرث العرش والمال. عندما أنجبت الأميرات النوبيات أبناءً من آباء عرب مسلمين، انتقل الحكم والثروة والمكانة الاجتماعية إلى هذا الجيل الجديد تلقائياً وبسلاسة شرعية كاملة، وتآكلت السلطة المسيحية القديمة من داخل بيوتها بفضل دماء الأمهات ونظام القبيلة.

​أرض البجة وعقود الصحراء الشرقية:

في الشرق الوعر، كانت بلاد البجة تفتح فصلاً آخر من فصول هذا التمازج؛ إذ لم تكن اتفاقية البقط تشملهم، وظلت غاراتهم تقلق مضاجع ولاة أسوان، حتى جرد عليهم الخليفة العباسي المأمون حملة بقيادة عبد الله بن الجهم عام 831 م (عام 216 هـ). انتهت المعارك بكتابة عهد جديد مع رئيس البجة “كنون بن عبد العزيز”، وهو عهد حمل ملامح اعتراف صريح بوجود المسلمين في المنطقة. تحولت بلاد البجة إلى مجال مفتوح لحركة التجار، وبدأت جماعات “الحدراب” ذات الأصول الحضرمية تتزايد وتصاهر قبائل البجة عام 900 م، فنشأت طبقة حاكمة جديدة نشرت الإسلام والعربية في ثغر سواكن وأعالي القاش.

​غياب الفقه المؤسسي وبساطة التدين السوداني:

لم يشهد السودان الوسيط في هذه الفترات الانتقالية بعثات فقهية منظمة أو علماء محترفين يدرسون الفقه المعقد والأصول المجمع عليها، بل غاب الفقه وحضر المغامرون ورجال الدين البسطاء والتجار. كان النموذج التاريخي البارز هو “العمري” الذي سار عام 868 م نحو مناجم الذهب في العلاقي؛ فرغم أنه رجل علم ودين، إلا أن بريق المعدن الأصفر سال له لعابه فتحول إلى مغامر كبير جمع حوله طلاب الذهب واشتبك مع النوبيين والبجة. هذا الغياب للمؤسسة الدينية الرسمية جعل الإسلام يدخل السودان عبر القدوة والتقليد اليومي لينشأ تدين سوداني بسيط يرتبط بالأرض والقرابة.. ​ نواصل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى