شريان الحياة في الشرق الأوسط وإفريقيا: كيف يعيد تأمين “طريق الصادرات” رسم الخريطة الجيواقتصادية للسودان

بقلم/ الدكتور محمد عوض محمد متولي
في لحظة فارقة من تاريخ الاقتصاد الإفريقي والإقليمي، لم يكن إعلان السيطرة الوطنية الكاملة وتأمين القوات المسلحة والأجهزة الأمنية السودانية لـ “طريق الصادرات القومي” في يوليو 2026م مجرد انجاز ميداني في سجل الاستقرار والأمن الترابي، بل كان بمثابة إعطاء إشارة البداية لدوران محركات التعافي الاقتصادي الكلي وإعادة فتح الرئتين اللتين يتنفس منهما الاقتصاد السوداني واقتصاديات دول الجوار القاري. إن هذا الطريق السريع، الذي يقطع آلاف الكيلومترات ليربط مزارع ومناجم وسهول غرب ووسط السودان بمنافذ التصدير الدولية على ساحل البحر الأحمر عبر ميناء بورتسودان، يمثل الوعاء الحقيقي لتراكم رأس المال وقاطرة تدفق التجارة الخارجية غير البترولية التي توفر الغطاء النقدي والسلعي للدولة، في توقيت ترتفع فيه الحاجة العالمية الماسة لتعزيز استقرار سلاسل الإمداد الدولية العابرة للبحر الأحمر والمحيط الهندي في مواجهة الهزات الجيوسياسية المتلاحقة.
من المنظور الجيواقتصادي، تسببت فترة انسداد وتوقف هذا الشريان التجاري الحيوي بفعل ممارسات المليشيات المتمردة في إحداث انتكاسة بنيوية عميقة وشلل لوجستي كامل؛ حيث قفزت تكاليف الشحن والمخاطر إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، وتراجعت حركة الشاحنات التجارية والترانزيت بنسبة تتجاوز 85 بالمائة، مما أدى إلى احتجاز ملايين الأطنان من المحاصيل الاستراتيجية داخل أقاليم الإنتاج، وحرمان الخزينة العامة والبنك المركزي من تدفقات النقد الأجنبي، بالتوازي مع قفزات تضخمية مستوردة ناجمة عن تعثر وصول مدخلات الإنتاج والسلع الأساسية، وهو ما يفسر الهبوط الحاد في معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال تلك الفترة الحاضنة للنزاع وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
ولكن الحسم الأمني الأخير أحدث تحولاً دراماتيكياً في معادلات السوق، إذ تشير بيانات النمذجة الاقتصادية والقياس الكلي إلى أن بدء تدفق أساطيل النقل التي تضم أكثر من 12 ألف شاحنة نقل ثقيل وتأمين الحركة عبر المحور يؤديان بصورة مباشرة إلى هبوط التكاليف اللوجستية وتكاليف نقل الطن لكل كيلومتر بنسبة تتراوح بين 35 بالمائة و42 بالمائة. هذا الانخفاض الهيكلي في كلفة النقل أدى فوراً إلى تقليص زمن الترانزيت للشحنات من 14 يوماً إلى أقل من 4 أيام، مما يمنح الصادرات السودانية كالصمغ العربي والمحاصيل الزيتية كالسمسم والفول السوداني بالإضافة إلى الثروة الحيوانية واللحوم المذبوحة دفعة تنافسية سعرية في الأسواق العالمية بنسبة تعافٍ تناهز 28 بالمائة، ويفتح الباب أمام استعادة السودان لحصته الهائلة في سوق الصمغ العربي العالمي التي تتجاوز 80 بالمائة من حجم الطلب الدولي، فضلاً عن تلبية الاحتياجات الملحة للأمن الغذائي الإقليمي والدولي.
إن الأثر المباشر لفتح هذا الشريان لا يتوقف عند حدود حركة السلع، بل يمتد ليكون أداة فاعلة من أدوات السياسة النقدية والمالية للدولة؛ حيث تشير التقديرات الكمية لمصفوفات المدخلات والمخرجات إلى أن التشغيل الكافي للطريق سيضيف ما قيمته 2.4 إلى 3.1 مليار دولار سنوياً إلى الناتج المحلي الإجمالي. هذا التدفق المتوقع حصائل الصادرات يرفد الجهاز المصرفي بالسيولة الأجنبية اللازمة لتأسيس احتياطيات سيادية، مما يضغط في اتجاه كبح تدهور سعر صرف الجنيه السوداني، وتقليص الضغوط التضخمية المستوردة، وإعادة رسم التوازنات في ميزان المدفوعات والحساب الجاري عبر معالجة الفجوة الهيكلية في الميزان التجاري، ودعم قدرة الدولة على تمويل متطلبات التنمية المستدامة.
وعلى الصعيد الاجتماعي والاقتصادي المجتمعي، يمثل هذا التعافي اللوجستي رافعة كبرى لإنعاش مجتمعات الإنتاج الرعوية والزراعية، حيث يعيد إطلاق مئات الآلاف من فرص العمل الشريفة والمستدامة للمزارعين، والرعاة، وسائقي الشاحنات، وعمال الخدمات واللوجستيات في مختلف الولايات، مما يثبت المواطنين في أراضيهم التاريخية، ويقضي تدريجياً على اقتصاديات الحرب والبطالة والهجرة القسرية. وفي ذات السياق، وعلى صعيد الدبلوماسية الاقتصادية والتكامل الإقليمي، يعيد الطريق وضع السودان في قلب سلاسل الإمداد لشرق وغرب إفريقيا باعتباره المنفذ البحري الأسرع والأقل تكلفة لدول الجوار المغلقة مثل تشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان، والتي كانت تعاني من كلفة شحن مضاعفة وعبر الموانئ الأطلسية البديلة. إن تحويل هذا الطريق إلى ممر تنموي متكامل يجمع بين المنافذ الجمركية الموحدة، والموانئ الجافة، والمناطق الاقتصادية الخاصة للمعالجة والصناعات التحويلية والتعبئة بالقرب من مناطق الإنتاج، يضمن احتجاز القيمة المضافة محلياً بدلاً من تصدير المواد الخام بصورتها الأولية، ويفتح آفاقاً واسعة لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتفعيل صيغ الشراكة بين القطاعين العام والخاص ونماذج البناء والتشغيل والنقل لتحديث وإزداوج البنية التحتية.
إن هذه القراءة الاستراتيجية تؤكد أن عودة الحياة لطريق الصادرات ليس مجرد حدث لوجستي عابر، بل هو اعلان صريح عن ميلاد مرحلة جديدة من الصلابة الاقتصادية والأمن المجتمعي، مرحلة تنتقل فيها الدولة من إدارة الأزمات والتعامل مع الاختناقات إلى ريادة التنمية واستعادة موقعها الاستراتيجي المستحق في خريطة الاقتصاد الدولي والإقليمي، لترسيخ دعائم اقتصاد وطني منتج ومستدام قادر على الصمود في وجه المتغيرات العالمية المعقدة.



