منى ابوزيد تكتب : تفكير رغائبي..!

هناك فرق ..
“النضج مؤلم أحياناً لأنه يعلمنا أن بعض الأشياء الجميلة لم تكن أبدية مهما بدت صادقة. وأن الناس لا يتغيرون أحياناً بقدر ما تتغير أفكارنا نحن”..
هناك أشخاص لا ينتهون بالخروج من حياتنا بل بانسحابهم الهادئ من صورتهم الأولى. تظل أرقامهم في الهاتف كما هي، وأصواتهم كما هي مألوفة، وربما يجلسون أمامنا على الطاولات نفسها، لكن شيئئاً ما يكون قد مات في بعض الطريق دون جنازة رسمية “نسخهم القديمة”..!
وتلك – بالمناسبة – هي أكثر أنواع الفقد تعقيداً،
لأن الموت الواضح المفاجيء يكون أرحم أحياناً من التحولات البطيئة. الرحيل الحاسم يمنح الإنسان فرصة للبكاء، للغضب، للقطيعة، أو حتى للشفاء. أما التغير التدريجي فهو يشبه مشاهدة بيتك وهو يغرق ببطء بفعل فيضان بينما يطمئنك الجميع أن الجدران ما تزال واقفة..!
نحن لا نتعلق ببعض البشر كما نظن، نحن نتعلق بالطريقة التي كانوا يجعلوننا نشعر بها، نتعلق بسختنا القديمة التي كانت معهم، بتلك اللغة السرية التي كانت بيننا قبل أن يدخل العالم بثقله، وتدخل الحياة بفظاظتها، وتدخل الخيبات بأحذيتها العسكرية إلى مقاطعات الأرواح وتغير من حدود الوجدان..!
الحروب لا تقتل الناس فقط بل تغير طبائع الناجين منها، والخذلان لا يكسر القلب وحده، بل يعيد ترتيب الشخصية كلها. حتى السلطة أحياناً لا تفسد الإنسان كما يقال، هي فقط تمنحه فرصة كاملة لإظهار تلك النسخة التي كان يخفيها جيداً..!
لذلك يبدو بعض البشر كأنهم اختفوا وهم ما يزالون أحياء، تتحدث مع شخص فتشعر أنكما تحتاجان إلى مترجم زمني. هذا ليس هو الرجل الذي كان يضحك من قلبه قبل سنوات، ولا هذه هي المرأة التي كانت تطمئنك بصوتها قبل أن تتعلم الحذر أكثر مما ينبغي..!
الوجوه هي نفسها لكن الأرواح غادرت من الشرفة الخلفية أثناء انشغالنا بالحياة، والمشكلة أن الذاكرة كيان غير واقعي إطلاقاَ، هي لا تعترف بالتحديثات،
وتصر على الاحتفاظ بالنسخة القديمة من الناس، مثل أم سودانية ما تزال تنادي ابنها الأربعيني باسم طفولته بينما هو مشغول بإفساد حياته في مكانٍ ما..!
ربما لهذا يؤلمنا الحنين، ليس لأنه لا يعيد الأشخاص بل لأنه يعيدنا نحن إلى زمن كنا فيه أخف قلوباً، وأقل شكوكاً، وأكثر قدرة على التصديق. لذا أحياناً نشتاق إلى أنفسنا أكثر مما نشتاق إلى الآخرين، وربنا لهذا أيضاً تصبح بعض العلاقات مرهقة؛ لأن أحد الطرفين يواصل الحديث مع النسخة القديمة، بينما الآخر يكون قد انتقل بعيداً دون أن يعلن ذلك رسمياً..!
تجد نفسك تشرح، وتذكر، وتستعيد مواقف قديمة، كأنك موظف أرشيف عاطفي في مؤسسة أغلقت منذ سنوات. بعض البشر يتغيرون لأن الحياة تكون قد علمتهم، وبعضهم يتغيرون لأن الخوف يكون قد أعاد تشكيلهم، وبعضهم الآخر – وهذه حقيقة مزعجة – كانوا هكذا دائماً، لكن مشاعر الحب كعادتها كانت تضع بعض الفلاتر على ملامح الواقع..!
هناك فرق كبير بين أن يرحل الإنسان وأن يبقى بلا روح تشبهه. حتى المدن يحدث لها ذلك. هنالك مدن لا تتغير بالقصف بل بالأشخاص الذين يعودون إليها بقلوب مختلفة. تصبح الشوارع أكثر ضيقاً والضحكات أكثر حذراً، والناس أكثر استعداداً لتحويل أي اختلاف صغير إلى معركة وجودية.
كأن العالم كله أصبح يعيش حالة سوء ظن جماعي..!
لهذا يبدو النضج حزيناً وأحياناً هو ليس اكتشافاً للحياة كما تخيلنا، بل اكتشاف متأخر لحقيقة أن معظم الأشياء الجميلة كانت مؤقتة أكثر مما ينبغي.
لكن الحكمة ربما تكمن هنا “أن نتوقف عن معاقبة الناس لأنهم تغيروا، وأن نتوقف أيضاً عن معاقبة أنفسنا لأننا ما زلنا نحب نسخهم القديمة”. بعض الأشخاص لا يغادرون حياتنا فعلاً، هم فقط يتركوننا وحدنا مع الذكرى، ثم يمضون بعيداً بقلوب لا ولن نعود نعرفها جيداً بعد الآن..!
munaabuzaid2@gmail.com



