منى ابوزيد تكتب : جدير بالاحترام ..!

هناك فرق..

“بعض رجال الدولة يتركون في ذاكرة الناس توقيعات أغلى من الأختام الرسمية، لأنهم يشعرون المواطن أن الدولة تملك قلباً”.. الكاتبة..!

 

في حياة المغترب السوداني كانت هناك حقيبة لا تُرى، يحمل فيها أوراقه الرسمية وخوفه المقيم من رحلة السفارة وعبء الإجراءات. ما زلت أذكر كيف وكم وقفت على ذلك من داخل السفارة السودانية بالعاصمة السعودية الرياض، قبل بضعة عشر عاماً عندما كنتُ في رحلة سفر قصيرة لتجديد الإقامة وزيارة والديّ اللذين كانا يقيمان هناك..!

وقتها كنت أشارك أستاذي البروفيسور عبد اللطيف البوني إعداد وتقديم برنامج عدد خاص على قناة النيل الأزرق. وعندما بدا لي حينها أن السفارة السودانية ليست مجرد مبنى دبلوماسي، بل مرآة كاملة لعلاقة السوداني بوطنه، استأذنت السفارة في إجراء استطلاعات مع بعض المراجعين الذين اصطفوا بحثاً عن توقيع أو ختم أو معاملة تنقذ موعداً أو إقامة أو حياة..!

كانت الشكوى الأكثر حضوراً هي البيروقراطية، ذلك الكائن الإداري العجيب الذي يستطيع أن يجعل الإنسان يشعر أحياناً أن الأختام أهم من أوجاعه، وأن الإجراءات أشد إلحاحاً من الظروف الإنسانية نفسها. وقد قامت إدارة السفارة حينها ـ مشكورة ـ بالرد على تلك الشكاوى في حلقة خاصة من البرنامج ..!

ثم مضت السنوات، وسقطت الإنقاذ، واشتعلت ثورة، واندلعت حرب لجأنا بفعلها إلى القاهرة، وشاءت إرادة الله أن تحتاج والدتي ـ رحمها الله ـ إلى عملية جراحية عاجلة. وكان لا بد من حضور شقيقي الأكبر د. محمد المجذوب على وجه السرعة من الرياض، وكان الأمر يتطلب إجرادً قنصلياً عاجلاً لا يتجاوز القانونأي نعم، لكنه يستنجد بإنسانية الذين يطبقون..!

يومها أرسلتُ ثلاث رسائل مقتضبة إلى ثلاثة رجال أحسبهم من أنبل رجالات الخارجية السودانية “سعادة السفير خالد شكري، وسعادة المستشار محمد فتح الرحمن، وسعادة الوزير المفوض حسام الدين الطيب”، وطلبت مساعدتي في الوصول إلى سعادة القنصل العام لسفارة السودان بالرياض، الأستاذ مصطفى الحسين الشريف..!

وقد تفضلوا بمساعدتي وتبرعوا بالدعوات والثناء على الرجل وجهوده في خدمة الناس. وحين تواصلت معه وجدته ابن البلد الشهم الذي يعرف أن بعض الأوراق تقف خلفها أم في حالة حرجة على سرير مستشفى، في بلد آخر، وخلال ساعات فقط اكتمل الإجراء، ووصل شقيقي إلى القاهرة، وقضى مع والدتي رحمها الله أيامها الأخيرة بالمستشفى..!

ما فعله سعادة القنصل لم يكن استثناءً بقدر ما كان تذكيراً نادراً بأن الوظيفة العامة لا تصبح محترمة إلا حين تتسع للناس، لا حين تضيق بهم فتضيِّق الخناق عليهم، وأن القانون لا يفقد هيبته حين يمر عبر الرحمة، بل يكتسب معناها الحقيقي..!

ومن يتابع ما تحقق في القنصلية السودانية بالرياض خلال فترة وجيزة في عهد الأستاذ مصطفى الشريف، يدرك أن المسألة لم تكن نشاط موظف يؤدي واجبه التقليدي، بل عقلية جديدة تحاول أن تعيد تعريف معنى الخدمة القنصلية نفسها “الذهاب إلى المغتربين العاجزين في أماكنهم، الوصول إلى المرضى في المستشفيات، وإنجاز المعاملات لمن تعجزهم المسافات أو الظروف، وإقامة حملات للجوازات والخدمات في المدن الطرفية”، وبالتالى تطوير علاقة دولة ومواطنة أكثر إنسانية..!

في بلاد أنهكتها الحروب والانقسامات، يصبح موظف الدولة المحترم ثروة وطنية، لأن الناس في لحظات ضعفهم لا ينسون أبداً من سهَّل لهم الحياة حين كانت قاسية. لذا يبقى سعادة القنصل الأستاذ مصطفى الحسين الشريف واحداً من أولئك الذين يمنحون الوظيفة العامة معناها النبيل..!

ولعل أعظم ما يمكن أن يُقال في حقه أن كثيرين يذكرونه اليوم بالدعاء الصادق، لأن الاحترام الحقيقي لا تصنعه الألقاب، بل تصنعه الإنسانية حين تجلس بهدوء خلف مكتب رسمي، وتقرر أن تكون رحيمةً بهم دون أن تتجاوز القانون، فتكبر بهم دون أن تتعالى عليهم!.

 

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى