المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب:أوراق لندنية (٣-٣)

هل تبتلع العاصمة الضبابية أحلام القادمين من وراء البحار؟

*و كيف تمنحنا المحطات البعيدة فرصة الرؤية من نافذة الحقيقة؟*

​وأنا أجلس في مقهى محطة قطارات “مارليبون” وسط لندن، وحركة المارة والركاب وأنفاسهم المتلاحقة تبعث دفئاً ناعماً في المكان، فالطقس على غير العادة في هذا الوقت من السنة برودته فوق حد تحمل القادمين من خط الاستواء أمثالي. جلست وأنا أسترجع شخوص روايات عملاقنا الخالد الطيب صالح ــ رحمه الله ــ فهذه السحنات المختلفة التي أرى، والصور المتنوعة لسكان لندن من الزنج وبني الأصفر والبيض والملونين والموضوعة على البوابات الإلكترونية للمحطة، تؤكد أن الزمان قد تجاوز تلك الشخوص؛ فما عاد “مصطفى سعيد” يستطيع أن يخاطب لندن قائلاً: “لقد أتيتك غازياً”، وما عاد باستطاعته أن يقول: “أنا صحراء الظمأ يحن إلى صقيع الشمال”. لقد أصبح سكان لندن في الغالب هم غزاة ذلك الزمان، هم أحفاد “مصطفى سعيد ونهرو وماوتسي تونغ”، فبالكاد تلتقي في لندن بأهلها الذين هجروها للغزاة ولاذوا بأطرافها، تاركين قلبها ليرتع فيه القادمون من صحراء الظمأ وغابات الأمازون وفي الخاطر تاريخ طويل، ترى الإنجليز أهل البلاد في نهار لندن يقضون حاجاتهم في المدينة ويغادرونها في الأمسيات إلى أطرافها، لذا من الصعب جداً السير بعربتك في شوارع وسط لندن في ساعات النهار، وكذلك مترو الأنفاق يزدحم في تلك الفترة، وتغلق المحلات أبوابها باكراً في تمام السادسة مساءً.

​الطقس بارد وأنا مجبر على أن أتناول مشروباً ساخناً يبعث في خلايا جسدي بعض السعرات الحرارية، فتقدمت نحو كاشير مقهى محطة “مارليبون” وطلبت مشروب الشوكولاتة الساخنة (Hot Chocolate)، متجاوزاً لبرهة صرامة البرنامج الغذائي المستمر للحمية، ومنحازاً لغرائزي التي استطاعت أن تحكم سيطرتها بادعاء اعتمادها على أسلوب الحياة الجديد، وأنني دوما أميل إلى قضاء أغلب مشاويري وسط لندن مشياً على الأقدام؛ إذن لا بأس من كوب من الشوكولاتة الساخنة طالما هناك جهد سيبذل بالمشي وسيحرق هذه السعرات. هذا فضلاً عن المتعة المضافة التي أحسها جراء التجول مشياً على طرقات لندن، فيا لها من متعة والمرء يتجول في طرقات يعود تاريخ إنشائها لما يقارب الألف عام؛ فهنا كانت تدار الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، ومن هنا تحركت الجيوش قبل اكتشاف الماكينة وقبل ظهور التكنولوجيا الرقمية، حيث يسير المرء وفي الخاطر مجاهدات أجدادنا وسعيهم الدؤوب لنيل الاستقلال وسلسلة طويلة من الشرفاء، ولكن سرعان ما أجد نفسي في الواقع الذي أمامي، فهنا أحفاد علي عبد اللطيف وأحفاد غاندي يملأون طرقات لندن؛ أتوا إليها فارين من بلادهم، منهم من جاء بحجة اللجوء السياسي، ومنهم من جاء باحثاً عن العلم، ومنهم من أتى باحثاً عن العمل، يعيشون في كنف الحكومة البريطانية، فغزاة لندن الجدد ليسوا مثل “مصطفى سعيد”، ففي تلك الأيام البعيدة لم يكن دخول بريطانيا أمراً صعباً كما هو الحال الآن.

​حملت كوبي الساخن وجلست على طاولة المقهى، وبرغم جمال ودقة تفاصيل المكان يلحظ المسافر أنه مصنوع على عجل، تماماً كحال المسافرين الذين يتناوبون على المكان، ففكرة المصمم المعماري ارتكزت على الوحدة الموضوعية المتناهية بين الشكل والوظيفة بوجود طاولات بسيطة وأنيقة، وجلست أرشف الشوكولاتة الساخنة بتلذذ بينما ضجيج المارة والمسافرين لا يكاد يهدأ أبداً؛ فهنا ملتقى مغادري المدينة إلى أطرافها بعد عناء يوم عمل طويل والقادمين إليها. وخلال جلستي تلك، استأذنت حسناء إنجليزية فارعة القوام في الثلاثين من عمرها تقريباً لتجلس قبالتي في انتظار موعد مغادرة قطارها، وهي ممتلئة حيوية ونضاراً، ثم أخرجت من حقيبتها صحيفة “سبورتس” (Sports) وانغمست في قراءتها؛ ويبدو أن الكل هنا شغوف برياضة كرة القدم التي تجري في شرايينهم مجرى الدم، فالمدينة كلها مولعة بكرة القدم حد الجنون ولا ريب فهي منشأ هذه الرياضة وجزء من حضارتها وإرثها التاريخي، ولأندية كرة القدم هنا قداسة وهوس أسطوري يفوق حد الخيال، إذ تضج لندن بالسابلة حين تكون أنديتها الكبرى مثل تشيلسي، وأرسنال، وتوتنهام تتبارى في استاداتها، وتصل درجة تأهب الأجهزة الأمنية في ذلك اليوم إلى الدرجة القصوى لتطويق المكان ومنع السيارات من المرور في محيط الاستادات.

​حين قرع جرس قطار جليستي تركت الصحيفة على الطاولة وغادرت المكان، فتناولتها وبدأت في قراءة العناوين، وكان الحدث الأبرز هو نهائي كأس إنجلترا بين أرسنال وأستون فيلا، تلك المباراة التي انتهت بفوز أرسنال بأربعة أهداف مقابل هدف ونيله الكأس للموسم الثاني على التوالي بتشريف ولي عهد بريطانيا الأمير وليم، والذي كان يبدو ممتعضاً وفريقه المفضل “أستون فيلا” يتلقى هزيمة ثقيلة دون أن يشفع له وجوده الملكي ليجعل التحكيم ينحاز لفريقه، فشتان بين نزاهة كرة القدم هنا في لندن وبين ما يحدث في أماكن أخرى. وبعد هذه التهويمة عدت إلى واقع “مارليبون” وبقي في قاع الكوب بعض من شوكولاتة بردت وحان وقت الرحيل، لكنني أتلذذ بالتلكؤ في مغادرة المكان؛ فمقعدي في الكافيه بإطلالته الرائعة على كامل المشهد يغري بالاستمرار جلوساً، كما أن أمامي الكثير من الوقت، وليس أمتع من قضاء بعض الوقت في مثل هذه المحطات القصية حيث لا أحد يعرف عنك شيئاً، وحيث إحساس الحرية المطلقة يطلق عنان الأفكار الحبيسة ويزيح غلالات الغبش عن العقول لتبدو الرؤية جلية.

​تفاصيل ما يجري حولي جعلتني مشدوداً في مقعدي لا فكاك، فغزاة لندن الجدد يتحلقون حول المكان زرافات ووحداناً؛ ولمحت من على البعد أحد أحفاد نكروما يخرج من حجرة يبدو وكأنها مكتب إداري خاص بالمحطة، ومن شكل هندامه وحركته يبدو للناظر إليه وأنه من الغزاة الذين برعوا في مجال الإدارة فتقلد منصباً مهماً، إن تقدمت إليه وسألته عن جنسيته سيقول لك بلا تردد “بريتيش”. ولمحت كذلك على جانب صالة الانتظار كراسي وثيرة عالية صممت لتستخدم في تلميع الأحذية، ولاحظت أن من يديرها هو أحد الغزاة أيضاً يبدو من سحنته أنه ينحدر من غابات الأمازون، وانتابني فضول عارم لرؤيته يمارس مهنته بهمة ونشاط، حيث أحضر أدواته وانهمك في عمله بكل جد لا يأبه لمن حوله، ثم أخرج هاتفاً حديثاً وتحدث مع شخص ما؛ إن اهتمامي بهذا الرجل وتفاصيل ما حدث يوحي بأسئلة وإجابات حول مقدار تخلف بلاد الشرق عن ركب الحضارة الحقيقية، حيث نعتبر مثل هذه الأعمال وضيعة ليعيش الشاب عاطلاً لسنوات ويتسول قوت يومه بدلاً من العمل، بينما هذا الفتى الأمازوني ماسح الأحذية بمحطة “مارليبون” يثبت أن العمل قيمة موجبة تمنح الإنسان قيمة عظيمة، مما جعلني أنظر إليه من على البعد بإعجاب منبعه نقص بلادنا عن معاني قيمته.

​صحوت من شجوني والهندي الأحمر يتأهب لزبون آخر، فتركت مقعدي وتسللت خارجاً من محطة “مارليبون” وأنا أبحث في هاتفي عن برنامج مخطط المدينة (Citymapper) ليدلني على أقرب محطة ورقم البص المتجه نحو سوق “شبربوش” (Shepherd Bush Market)، حيث تمر البصات وقطارات الأنفاق عبر آلاف المحطات في نظام دقيق مدهش؛ وأيقنت وأنا أطالعه كم نحن بعيدون جداً أمامنا الكثير حتى نلحق بركب الأمم التي عبرت هذه المحطات قبل عقود، وتجاوزت أمراضاً مزمنة كثيرة واستطاع بعض غزاتها الجدد بصبر ومثابرة خلق التغيير والاندماج التدريجي في المجتمع وتأكيد قيمة الإنسان. وبينما كنت أتحرك بثقة في أنحاء هذه العاصمة وكأنني أحد ساكنيها القدامى، شعرت بامتلاء كامل وتصالح مع هذه الرحلة؛ فمع مغادرتي عتبات “مارليبون” تنطوي هذه الخواطر والرحلات، وتُغلق صفحات “أوراق لندنية” في حلقتها الأخيرة، بعد أن منحتني لندن بعضاً من أسرارها، وتركتُ فيها بعضاً من حكاياتي، لتبقى هذه الأوراق شاهداً حياً على تلاقي الشرق بالغرب في دروب الحياة الممتدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى