السودان بين لعنة الثروة وأطماع الخارج

بقلم/ محمد فؤاد عيد 

ثمن الجغرافيا: منذ فجر التاريخ ظلت الدول الغنية بالموارد والثروات هدفاً دائماً للتنافس والصراع والتدخلات الخارجية. فالثروة في عالم السياسة لا تعني دائماً الرفاه والاستقرار، بل قد تتحول في كثير من الأحيان إلى لعنة تجلب الأطماع وتفتح أبواب الهيمنة والنفوذ. وكلما امتلكت دولة موقعاً استراتيجياً وثروات طبيعية ومنافذ بحرية ومصادر مياه وقوة بشرية، ازدادت أهميتها في حسابات القوى الإقليمية والدولية التي تسعى لحماية مصالحها ولو على حساب استقرار تلك الدول.

التجارب الإقليمية والدولية أثبتت أن الدول لا تسقط فقط بسبب التدخلات الخارجية، بل عندما تجد تلك التدخلات بيئة داخلية هشة ومنقسمة تسمح لها بالتمدد عبر “النوايا السيئة” تجاهها، وقد تظهر بأشكال متعددة.

 

*نعمة تتحول إلى نقمة:*

ويتجلى ذلك في إضعاف الدولة سياسياً حتى لا تتحول إلى قوة إقليمية مؤثرة، واستنزاف مواردها عبر الحروب أو الصراعات الداخلية، وكذلك دعم الانقسامات القبلية أو الجهوية لإشغالها بنفسها، ومحاولة السيطرة غير المباشرة على الموانئ أو الثروات الطبيعية، وتحويلها إلى سوق استهلاكي بدلاً من دولة منتجة، وعرقلة قيام جيش وطني قوي أو مؤسسة مستقرة، واستخدام الديون أو الاتفاقيات المجحفة للهيمنة الاقتصادية، وتهجير العقول والكفاءات حتى تبقى الثروة بلا إدارة وطنية قوية.

 

*التدخلات الخارجية:*

حالة الانهيار الداخلي والحرب المستمرة في السودان جعلته ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية وتصفية الحسابات الإقليمية.

فهو دولة تمتلك كل هذه المقومات مجتمعة: أرضاً زراعية خصبة، آثاراً وتاريخاً تليداً، ثروات معدنية، نفطاً، مياهاً وفيرة، نهراً عظيماً يطلق عنانه من جنوبه عابراً آلاف الكيلومترات حتى يصل أقصى شماله، قوة بشرية كبيرة، وموانئ استراتيجية تلتهمها عين كل حاسد. لذلك أصبحت دولة ذات قيمة جيوسياسية واقتصادية هائلة، وتحولت إلى هدف للتنافس الإقليمي والدولي.

 

*ثروات أنهكتها الصراعات:*

ولم يكن السودان يوماً بلداً فقيراً بالموارد، بل ربما كان واحداً من أكثر الدول الإفريقية والعربية امتلاكاً لعناصر القوة والثروة. فالأرض الزراعية الممتدة، والمياه، والثروة الحيوانية، والذهب، والمعادن، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، كلها عوامل كان من المفترض أن تجعل من السودان دولة مستقرة ومؤثرة إقليمياً واقتصادياً. لكن المفارقة المؤلمة أن هذه الثروات نفسها تحولت في كثير من الأحيان إلى مصدر للأطماع والصراعات والتدخلات الخارجية.

 

*الاقتصاد المستقل:*

وفي عالم اليوم لا تُقاس قوة الدول فقط بما تمتلكه من موارد، بل بقدرتها على حماية تلك الموارد وإدارتها بصورة تحقق مصالح شعوبها. وهنا تكمن أزمة السودان الحقيقية؛ إذ ظل يعاني لسنوات طويلة من ضعف مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القوة، والانقسامات السياسية والقبلية، الأمر الذي جعل ثرواته عرضة للاستنزاف الداخلي والتنافس الخارجي.

وأخطر ما يهدد أي دولة غنية بالموارد هو غياب الدولة القوية القادرة على فرض هيبتها وسيادتها على كامل أراضيها. فحين تضعف المؤسسات تتمدد المليشيات، وتنشط شبكات الفساد والتهريب، وتصبح الثروات الوطنية خارج سيطرة الدولة. وما يحدث في ملف الذهب السوداني يعتبر نموذجاً ودليلاً واضحاً لحجم النزيف الاقتصادي المستمر الذي ظل يضرب البلاد لسنوات، حيث يخرج جزء كبير من هذا المورد الاستراتيجي عبر التهريب بدل أن يتحول إلى عائد حقي يدعم الاقتصاد والخدمات والتنمية. والجميع يشهد تحول هذا المعدن بعد أن سيطرت عليه أيادي المليشيا لتسخيره في خدمة مصالحها وأجندتها.

 

*الأمن مسؤولية الجميع:*

ولذلك فإن حماية السودان تبدأ أولاً ببناء دولة المؤسسات، لا دولة الجماعات والمصالح الضيقة. دولة يكون فيها الجيش مؤسسة قومية موحدة بعيدة عن الولاءات القبلية والسياسية، وأجهزة أمن محترفة تحمي الحدود والثروات، وقضاء مستقل يواجه الفساد دون انتقائية، ومؤسسات مدنية تمتلك القدرة على إدارة الاقتصاد بشفافية وكفاءة.

كما أن السودان بحاجة ماسة إلى استعادة سيطرته الكاملة على موارده الطبيعية عبر قوانين صارمة تمنع العبث بثروات البلاد، وتحد من نشاط الشركات الوهمية والواجهات الاقتصادية غير المعروفة. فالدول القوية لا تكتفي بتصدير المواد الخام، بل تعمل على تصنيعها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية حقيقية. ومن هنا فإن تطوير الصناعات المرتبطة بالزراعة والتعدين والثروة الحيوانية يجب أن يكون جزءاً أساسياً من مشروع النهضة الوطنية.

 

*الضرورات الوطنية:*

غير أن أي حديث عن حماية الثروات والحفاظ على السيادة يظل ناقصاً في ظل استمرار الحرب والصراعات المسلحة. فالحروب لا تدمر المدن والبنية التحتية فقط، وإنما تفتح أبواب البلاد أمام التدخلات الخارجية، وتزيد من حجم الارتهان السياسي والاقتصادي، وتسمح بانتشار اقتصاد السلاح والتهريب والفوضى. ولهذا فإن وقف الحرب لم يعد مجرد مطلب إنساني، بل أصبح ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من الدولة السودانية نفسها.

وفي المقابل فإن السودان يحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة تقوم على تنويع العلاقات الدولية دون الارتهان لمحاور إقليمية أو دولية بعينها. فالدول الصغيرة والضعيفة غالباً ما تتحول إلى ساحات صراع بين القوى الكبرى، بينما تستطيع الدول الواعية أن تستفيد من التنافس الدولي دون أن تفرط في سيادتها أو قرارها الوطني.

 

*الوطن مسؤولية الجميع:*

وحماية سيادة الدولة ليست مجرد شعارات تُرفع، بل هي منظومة متكاملة من الإجراءات والخيارات التي تضمن أن يكون القرار الوطني مستقلاً، وأن تبقى الأرض والثروة والإرادة في يد أبناء الوطن فقط، بعيداً عن أي تدخل أو هيمنة خارجية. وتقوم الحماية على ركائز أساسية مترابطة،

وذلك يتأتى عبر بناء قوة عسكرية وأمنية وطنية قوية ومستقلة، والحياد الوطني حيث لا تخضع الدولة لأي انتماءات حزبية أو قبلية أو أيديولوجية معينة ولا تتلقى أوامر من جهة خارجية لتنفيذ مآربها وخططها. وبذلك الجهود للارتقاء بالصناعات العسكرية حتى لا تصبح الدولة رهينة لدول أخرى تتحكم في إمدادها بالسلاح والمعدات العسكرية. إضافة إلى أن السيادة الحقيقية أن تصنع الدولة قراراتها فيما يضمن مصالح شعبها، لأن مفهوم السيادة يسقط وينهار عندما يحاول الآخرون التحكم في قوتك ومالك. والعدو أينما وجد لا يمكنه الاستحواذ على سيادة بلد ما والنيل منها إذا ما كانت متماسكة.

 

*السيادة ليست شعارات:*

حماية السيادة ليست مسؤولية الحاكم أو الجيش فقط، بل هي أمانة في عنق كل مواطن. تُحمى السيادة بوجود دولة قوية، اقتصاد مستقل، شعب موحد، وقرار حر. وأول خطوة للحماية هي اقتناعنا بأن أي تنازل بسيط عن سيادة الوطن هو بداية طريق فقدان الدولة لوجودها وكيانها.

والحفاظ على سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه هو الخط الأحمر الذي لا يمكن التنازل عنه بأي شكل من الأشكال. ويرى أن نجاحه الحقي لا يُقاس فقط بهزيمة المليشيات، بل بضمان ألا يصبح السودان أبداً ساحة نفوذ أو تابعاً لأي قوة خارجية.

ولأن الوطن هو الذي أعطاك كل شيء: الأرض التي وُلدت عليها، والهواء الذي تتنفسه، والتاريخ الذي يحمل اسمك، والأمن الذي كان يحميك، والمستقبل الذي ينتظر أبناءك. هو المكان الوحيد الذي إذا ضاقت بك الدنيا، يبقى هو الملاذ. وحين يقدم لك الوطن كل هذا، يصبح واجبك تجاهه ديناً في عنقك، يجب أن تردّه وتوفيه، ولا تسقط عنك هذه المسؤولية أبداً، تماماً كالدين المالي أو الأخلاقي، بل وأعظم.

 

*حب الوطن واجب:*

وكما أن الدين يُطالب به صاحبه، فإن الوطن يطالبك بأن تحميه، تدافع عنه، تبنيه، وتحافظ على سيادته. وكما أن الدين لا يُسقط إلا بالوفاء به، فإن حق الوطن لا يُرد إلا بالعمل من أجله، وإن لزم الأمر التضحية بالغالي والنفيس.

من قال إن السيادة والوطنية واجب على الحكام فقط، فقد أخطأ. الحكام هم وكلاء الشعب، أما المسؤولية الحقيقية والأصلية فهي ملقاة على عاتق كل مواطن. فالدولة لا تقوم ولا تُحمى ولا تُبنى إلا إذا كان كل فرد فيها يشعر أنه مدين لهذا الوطن، وأن حفظه وصيانته هو أول واجباته وأشرف أدواره. ولا سيادة دون شعب موحد، ذلك لأن وحدة الصف مقياس وأساس لقوة الدولة.

 

*وعي وطني جديد:*

وكما يُقال: “ما ضاع وطن ولا فُقدت سيادة دولة إلا عندما تخلى أبناؤها عن أداء دينهم تجاهها وآثروا مصالحهم الخاصة على مصلحة الكيان العام”. أما حين يشعر كل مواطن أن هذا الدين في عنقه، فإن الوطن يصبح حصناً منيعاً لا تنال منه قوة، ولا تهزه ريح، ولا يستطيع أي عدو أن يطأ أرضه أو يفرض عليه إرادته أو يمس سيادته بسوء. وحينها سينتصر الانتماء الوطني على المصالح الضيقة. ووحدة الشعب هي الحصن الحقي للدولة، وحين يتفرق الشعب تضيع السيادة، لذلك السيادة تبدأ من وحدة الداخل.

ولعلي من أصحاب الرأي من الذين يذهبون إلى أن هذا الشعور هو ما يحتاجه السودان الآن أكثر من أي وقت مضى؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى