المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب :مخاض الاتفاق الأمريكي الإيراني

*”​تتسارع الخطى الدبلوماسية في الشرق الأوسط نحو صياغة مشهد إقليمي جديد، يتأرجح بين آمال التهدئة ومخاوف الانهيار المفاجئ، مع دخول قوى دولية كبرى على خط صمام الأمان للاستقرار المرتقب.”*

​تعيش المنطقة على وقع أنفاس محبوسة ترقباً للمصير النهائي لتفاهم وشيك بين واشنطن وطهران، كشفت مسودته التي نقلها موقع “أكسيوس” عن ملامح تسوية مؤقتة تمتد لـ 60 يوماً قابلة للتمديد لإنهاء الحرب. يقدم هذا الإطار المبدئي معادلة دقيقة لتبريد الصراع؛ إذ ينص على التزام طهران بفتح مضيق هرمز وإزالة الألغام لضمان حرية الملاحة الدولية دون رسوم، مقابل تنفس اقتصادي إيراني تدريجي تمنحه واشنطن عبر تخفيف قيود الموانئ والسماح بتصدير النفط، وربط رفع العقوبات تدريجياً بالتنفيذ الإجرائي الميداني. وفيما يمتد حبل التهدئة ليشمل بنداً لإنهاء المواجهات المشتعلة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، يظل الملف النووي العقدة الأبرز؛ حيث تشترط المسودة التزاماً إيرانياً بعدم تطوير أسلحة نووية والانخراط في مفاوضات لتعليق تخصيب اليورانيوم والتخلص من المخزون العالي التخصيب، ليكون مبدأ “الهدوء مقابل الهدوء” هو الوقود الأساسي لاستمرار الهدنة.
​وعلى الرغم من هذه الاندفاعة الإعلامية والتسريبات الإيجابية، شهدت الساعات الأخيرة حالة من التريث والمفاوضات المكثفة للتوصل إلى “اتفاق ذي معنى”، حيث قللت الإدارتان الأمريكية والإيرانية من احتمالية عقد اتفاق “نهائي” وشيك. ويبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يتريث لتفادي الوقوع في “صفقة سيئة”، مشتركاً أن يزيل أي اتفاق نهائي التهديد النووي الإيراني تماماً، بل ورفع سقف المطالب السياسية فارضاً شرطاً إجبارياً على دول الشرق الأوسط وغيرها بالتوقيع على “الاتفاقات الإبراهيمية” كجزء من حزمة التسوية الشاملة. وفي المقابل، وبينما تؤكد طهران عبر مسؤوليها التوصل إلى “إطار عمل” مرن، إلا أنها تقر بأن التوقيع النهائي ليس وشيكاً، وسط معلومات تشير إلى أن صعوبة التواصل اللوجستي والسياسي مع المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي تعد أحد الأسباب الرئيسية وراء تأخير حسم الموافقة الإيرانية.
​وأمام معضلة الثقة التاريخية والخوف الإيراني من تراجع واشنطن عن التزاماتها، تحولت العاصمة القطرية الدوحة إلى خلية نحل دبلوماسية؛ حيث زارها رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي لبحث التفاصيل الدقيقة مع الجانب الأمريكي عبر الوسطاء. وموازاةً مع هذا الحراك، يقود المشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، وساطة رئيسية مدعومة بغطاء إقليمي شمل مشاورات ترمب مع قادة السعودية وقطر والإمارات ومصر وتركيا. وأمام التصلب الأمريكي في الإبقاء على الحصار البحري حتى تلبية المطالب النووية، لجأت باكستان إلى بكين للقاء القيادة الصينية، بهدف إقناع التنين الصيني بـأن يكون “الضامن الدولي” والسياسي للاتفاق، لطمأنة طهران وحثها على قبول الخطوات المعقدة، مثل إمكانية نقل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الأراضي الصينية كإجراء لبناء الثقة.
​تضعنا هذه المستجدات المتسارعة أمام قراءة استشرافية واضحة المعالم لمستقبل المنطقة، والمؤشر الأبرز هنا هو التحول في موازين التأثير؛ إذ تفيد المصادر المطلعة بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بات عاجزاً عن التأثير بشكل مباشر على موقف الرئيس ترمب لمنع هذا الاتفاق، رغم تحفظاته السابقة بشأن جبهة لبنان، حيث تمضي واشنطن في مسارها البراغماتي بوضوح. وبناءً على ذلك، يتوقع على المدى القريب ولادة “هدنة هشة” تلتزم فيها واشنطن بفتح مضيق هرمز مع استمرار تواجد عسكري أمريكي مؤقت، لكن الاستقرار الدائم سيبقى معلقاً بين حدين: إما نجاح الضمانة الصينية والوساطة الباكستانية في تحويل إطار العمل الحالي إلى تسوية شاملة، أو انفجار الألغام السياسية إذا ما أصر ترمب على فرض شروطه الإقليمية الصارمة ورفضت طهران تقديم التنازلات الملموسة قبل الرفع الكامل للعقوبات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى