ما قبل الاتفاق الكبير: كيف تعيد واشنطن وطهران رسم خرائط التهدئة في الشرق الأوسط!؟

بقلم/ السفير د. معاوية البخاري

بيان مجلس الأمن القومي الإيراني: تحصين الداخل قبل لحظة التفاهم
مع اقتراب الإعلان عن تفاهم أمريكي ـ إيراني يبدو أنه تجاوز مرحلة “جسّ النبض” إلى مرحلة ترتيب التفاصيل النهائية، تتكثف المؤشرات السياسية والميدانية والدبلوماسية التي توحي بأن المنطقة تقف أمام إعادة ضبط واسعة للتوازنات، لا مجرد اتفاق نووي تقني أو هدنة مؤقتة. فالمشهد الحالي يكشف أن ما يجري يتجاوز الملف النووي إلى إعادة تعريف قواعد الاشتباك في الخليج ولبنان، وإدارة أمن الطاقة، وترتيبات النفوذ الإقليمي، وحتى مستقبل مسار التطبيع العربي ـ الإسرائيلي.
في هذا السياق، جاء بيان مجلس الأمن القومي الإيراني بمثابة محاولة استباقية لتحصين الجبهة الداخلية الإيرانية قبل الإعلان عن أي تفاهم محتمل مع واشنطن. فالبيان لم يُقرأ داخلياً بوصفه خطاباً تعبوياً فحسب، بل باعتباره رسالة مزدوجة: أولاً إلى الداخل الإيراني بأن أي اتفاق لن يكون على حساب “السيادة الوطنية” أو “الثوابت الاستراتيجية”، وثانياً إلى الخارج بأن القرار الإيراني يصدر من منظومة مؤسساتية متماسكة لا من حالة اضطرار أو انهيار تحت الضغط العسكري والاقتصادي.
إيران تدرك أن أي تسوية مع الولايات المتحدة، مهما كانت مكاسبها الاقتصادية والسياسية، ستُقابل بتساؤلات داخلية حول حجم التنازلات، ولذلك جاء الخطاب الرسمي الإيراني مشبعاً بمفردات “الصمود” و”الندية” و”فرض الإرادة”، في محاولة لتقديم الاتفاق ـ إن تم ـ باعتباره ثمرة توازن قوة لا نتيجة ضغوط.

هرمز يعود للحياة: عبور البواخر ورسائل خفض التصعيد
اللافت أن هذا الخطاب تزامن مع مؤشرات ميدانية بالغة الدلالة، أبرزها بدء عبور بعض البواخر عبر مضيق هرمز بصورة متدرجة، في تطور يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الملاحي. فعودة الحركة البحرية ـ ولو جزئياً ـ تعني عملياً أن هناك تفاهمات أمنية أولية جرى اختبارها بين أطراف الصراع، وأن القوى الدولية بدأت تتعامل مع فرضية “خفض التوتر المنظم” بدلاً من سيناريو المواجهة المفتوحة.
كما أن الأسواق النفطية التقطت الرسالة سريعاً، إذ تراجعت المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة، ما يعكس قناعة متزايدة بأن احتمالات الانفجار الشامل تراجعت مؤقتاً على الأقل. غير أن طهران تحاول أن تُظهر أن إعادة فتح هرمز ليست تنازلاً مجانياً، بل جزء من مقايضة استراتيجية أكبر تشمل تخفيف العقوبات، وضمان تدفق صادراتها النفطية، والإفراج عن الأموال المجمدة.

الدوحة على خط الوساطة: الأموال المجمدة والعقدة الأكثر حساسية
ضمن هذا السياق تبرز أهمية الزيارة الإيرانية إلى الدوحة، والتي تبدو أكثر من مجرد محطة تنسيقية مع وسيط إقليمي. فالدوحة تتجاوز ذاتها وجراحها وتتحول تدريجياً إلى مساحة إدارة هادئة للملفات الأكثر تعقيداً بين واشنطن وطهران، مستفيدة من قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف، ومن هامش الثقة الذي راكمته خلال السنوات الماضية.
وتشير المعطيات إلى أن الوفد الإيراني حمل ملفات شديدة الحساسية، في مقدمتها الأموال الإيرانية المجمدة، وآليات تخفيف العقوبات، والترتيبات المتعلقة بالملاحة والطاقة. وهذه الملفات تمثل عملياً “الاختبار الحقيقي” لأي اتفاق، لأن طهران تريد مكاسب اقتصادية ملموسة يمكن تسويقها داخلياً، بينما تسعى واشنطن إلى صياغة ترتيبات رقابية تمنع إيران من توظيف الانفراج المالي في إعادة بناء أدواتها العسكرية والإقليمية بصورة واسعة.
ومن هنا فإن الدوحة لا تؤدي دور الوسيط التقليدي فقط، بل تتحول إلى “غرفة تبريد” للخلافات الأكثر حساسية، خاصة أن جزءاً من الأموال المجمدة يرتبط بقنوات مالية ومصرفية دولية وإقليمية معقدة.

لبنان ضمن الصفقة الكبرى: هل تُطوى جبهة الشمال رغماً عن نتنياهو؟
ومن بين أكثر المؤشرات إثارة للانتباه، أن الحديث عن نهاية الحرب لم يعد مقتصراً على الجبهة الإيرانية أو ملف المضيق، بل امتد صراحة إلى لبنان. فالتسريبات المتعلقة بالتفاهم المرتقب تشير إلى أن وقف التصعيد مع حزب الله بات جزءاً عضوياً من الصفقة الكبرى، وهو ما يمثل عملياً تجاوزاً للرؤية التي يدفع بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والذي كان يفضل إبقاء الجبهة اللبنانية مفتوحة لاستنزاف إيران وحلفائها منذ أكثر من ثلاثة عقود.
هذا التطور يعكس حقيقة مهمة، وهي أن واشنطن تبدو أكثر اهتماماً بإنتاج استقرار إقليمي قابل للإدارة، حتى لو تطلب ذلك كبح الاندفاعة الإسرائيلية. فالإدارة الأمريكية تدرك أن استمرار الحرب في لبنان مع بقاء التوتر في هرمز يعني استنزافاً اقتصادياً وأمنياً واسع النطاق قد ينعكس مباشرة على الداخل الأمريكي والأسواق العالمية، وأمريكا دفعت كلفة باهظه سيظل أثرها باقياً وممتداً.
كما أن إدخال لبنان ضمن مسار التهدئة يكشف أن التفاهم الجاري لا يتعلق فقط بمنع التصعيد، بل بإعادة رسم حدود الاشتباك الإقليمي بصورة تقلل احتمالات الحرب الشاملة، ولو بصورة مؤقتة، لا ترك المسار للتقديرات الاسرائيلية.

ترامب والاتفاق الإبراهيمي: ربط التهدئة بإعادة تشكيل الإقليم
في المقابل، يحاول دونالد ترامب تسويق الاتفاق ضمن رؤية أوسع تتعلق بإعادة تشكيل الشرق الأوسط سياسياً. ولهذا لم يكن حديثه عن الدول التي لم تنضم بعد إلى “الاتفاق الإبراهيمي” منفصلاً عن مسار التفاوض مع إيران، بل جزءاً من محاولة الربط بين التهدئة مع طهران وإعادة هندسة الاصطفافات الإقليمية.
فالولايات المتحدة تريد القول إن أي اتفاق مع إيران يجب أن يقود في النهاية إلى شرق أوسط أقل عدائية تجاه إسرائيل وأكثر قابلية للاندماج السياسي والاقتصادي. غير أن هذه النقطة تحديداً قد تكون من أخطر الألغام الكامنة داخل الاتفاق، لأن طهران قد تقبل بتجميد بعض أدوات الاشتباك أو تخفيف التصعيد، لكنها لن تبدو مستعدة للدخول في ترتيبات تُفسَّر داخلياً أو إقليمياً باعتبارها قبولاً ضمنياً بالمشروع الإسرائيلي أو تخلياً عن أوراق النفوذ الإقليمي، لطالما ظل المستفيد الوحيد منها نتنياهو.
ومن هنا، فإن جزءاً مهماً من المعركة المقبلة لن يكون عسكرياً بقدر ما سيكون متعلقاً بالسردية السياسية: من الذي فرض شروطه؟ ومن الذي أعاد تعريف قواعد اللعبة في المنطقة؟

البرنامج النووي الإيراني: تفاهم على العناوين وتأجيل للملفات المعقدة
أما في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، فإن ما يتسرب حتى الآن يوحي بأن الطرفين توصلا إلى تفاهمات حول “العناوين العريضة” أكثر من الوصول إلى اتفاق تفصيلي نهائي. فواشنطن تريد ضبط مستويات التخصيب وآليات الرقابة ومستقبل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، بينما تصر طهران على الاحتفاظ بحقها في البرنامج النووي السلمي وعلى عدم تسليم أوراق الردع بالكامل الأمر الذي يستغرق وقتاً.
ومن المرجح أن الصيغة النهائية ستقوم على تأجيل القضايا الأكثر حساسية، لا حلها جذرياً. أي أننا قد نكون أمام “اتفاق إدارة أزمة” أكثر من كونه “اتفاق إنهاء صراع”. وهذا ما يفسر حرص الطرفين على استخدام لغة حذرة؛ فواشنطن تتحدث عن تقدم مهم، وطهران تنفي قرب الإعلان النهائي رغم إقرارها بوجود اختراقات حقيقية.

إسرائيل وقلق “الاتفاق الناقص”
ورغم الأجواء الإيجابية النسبية، فإن المخاوف لا تزال عميقة، خصوصاً في إسرائيل، التي تنظر بعين الريبة إلى أي اتفاق لا يؤدي إلى تفكيك كامل للبنية النووية الإيرانية أو تحجيم نفوذ طهران الإقليمي بصورة جذرية.
كما أن التيار الأمريكي المحافظ والمتشدد يرى أن أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأموال المجمدة سيمنح إيران فرصة لإعادة ترميم اقتصادها وتعزيز نفوذها الإقليمي، وهو ما قد يحول الاتفاق ـ من وجهة نظرهم ـ إلى استراحة مؤقتة لطهران لا أكثر.
في المقابل، تراهن الإدارة الأمريكية على أن ضبط السلوك الإيراني مرحلياً أفضل من الانزلاق إلى حرب مفتوحة لا تملك واشنطن ولا حلفاؤها ضمانات حقيقية بشأن مآلاتها.

شرق أوسط جديد أم تجميد مؤقت للصراع؟
لكن السؤال الأكبر سيظل قائماً: هل تقبل إيران فعلاً بالتحول من استراتيجية “إدارة الفوضى” إلى استراتيجية “إدارة التوازن”، أم أن الاتفاق ليس سوى هدنة مؤقتة تلتقط خلالها الأطراف أنفاسها قبل جولة صراع جديدة؟
فالمشهد الحالي يوحي بأن المنطقة لا تتجه نحو سلام شامل بقدر ما تتجه نحو “تجميد كبير للنيران” تحت سقف توازنات جديدة، حيث لا أحد انتصر بالكامل، ولا أحد هُزم بالكامل، لكن الجميع أدرك أن كلفة الانفجار الشامل باتت أعلى من قدرة الإقليم والعالم على الاحتمال.
ولهذا، فإن الاتفاق المرتقب ـ إن أُعلن بصيغته المتداولة ـ لن يكون نهاية الصراع في الشرق الأوسط، بل بداية مرحلة جديدة من إدارة الصراع بأدوات مختلفة، عنوانها الأبرز: تقليل الخسائر، وإعادة ترتيب النفوذ، ومنع انهيار الإقليم دفعة واحدة، ستظل تفاعلاتها مستمرة لعقود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى