سراج الدين مصطفى يكتب : فاتن الميعاد .. ما بين عبقرية بليغ والست !!

نقر الأصابع .. 

من اغرب الاشياء التي يمكن ان يفعلها عمل فني عظيم انه يدفعك الى رحلة طويلة من البحث والاكتشاف وهذا تماما ما حدث لي مع تجربة سيدة الغناء العربي ام كلثوم فقد كانت البداية من اغنية اغدا القاك للشاعر السوداني الهادي ادم والحان الموسيقار محمد عبد الوهاب ثم وجدت نفسي اتنقل بشغف بين عشرات الاعمال الخالدة.

 

سحر فات الميعاد:

 

توقفت طويلا عند اغنية فات الميعاد التي اعتبرها واحدة من اهم المحطات في تاريخ الغناء العربي الحديث لما تحمله من قيمة فنية وانسانية كبيرة وما تختزنه من اسرار تستحق التامل والقراءة العميقة حيث تمثل هذه الاغنية نموذجا عبقريا في التعبير عن كبرياء المجروح وصياغة مشاعر الفراق الانساني بأسلوب راق لم يتكرر.

 

عبقرية مرسي جميل:

 

حكاية الاغنية نفسها لا تقل جمالا عن كلماتها فقد جاءت من الشاعر مرسي جميل عزيز الذي انضم متأخرا الى قائمة شعراء كوكب الشرق غير ان موهبته الفذة فرضت نفسها بسرعة فكتب لها سيرة الحب التي حققت نجاحا استثنائيا ثم قدم لها فات الميعاد والف ليلة وليلة لتؤكد مكانته الرفيعة في مسيرتها.

 

رهان ام كلثوم:

 

احتفظت ام كلثوم بالنصين لبعض الوقت حتى جاء القرار التاريخي بإسناد فات الميعاد الى الموسيقار بليغ حمدي في خطوة شجاعة تعكس ثقتها الكبيرة في قدرته الفائقة على تحويل الكلمات الحزينة الى عمل استثنائي متكامل قادر على اختراق القلوب والوصول مباشرة الى وجدان وعاطفة الجمهور العربي من المحيط الى الخليج بصورة مدهشة.

 

التمرد على الدراما:

 

ما يلفت الانتباه في فات الميعاد انها خرجت تماما عن البناء الدرامي التقليدي الذي اعتاد عليه جمهور ام كلثوم فالأغنية لا تقدم نهاية سعيدة ولا تفتح اي نافذة للأمل او الصلح والعودة بل تستمر في طريق الفراق الحتمي والألم الجارف حتى اخر كلمة فيها متمردة على العواطف السائدة والمألوفة انذاك.

 

الصدق الإنساني النادر:

 

ومع ذلك وربما بسبب هذا التمرد بالذات حققت الاغنية نجاحا جماهيريا هائلا لان المستمع العربي وجد فيها صدقا انسانيا نادرا يلامس روحه وشعر ان الكلمات تروي جزءا حميميا من تجاربه الشخصية وان الموسيقى المصاحبة تعبر ببراعة عن مشاعر دفينة ومعقدة لا تستطيع الكلمات والعبارات وحدها التعبير عنها او ايصالها بوضوح.

 

عزلة بليغ السحرية:

 

أما بليغ حمدي فقد تعامل مع النص باعتباره تحديا فنيا كبيرا ولذلك اعتكف في مدينة الاسكندرية لأسابيع طويلة باحثا وسط امواج البحر عن اللحن المناسب حتى خرج بهذا العمل الخالد الذي جمع بين الاصالة والتجديد وعندما استمعت ام كلثوم للحن ادركت فورا انها امام ثورة موسيقية فبدأت البروفات الطويلة المكثفة.

 

خلود اللحظة النادرة:

 

من اسرار جمال الاغنية انها كانت ثمرة اجتماع ثلاث مواهب استثنائية في لحظة فنية تاريخية لذلك بقيت حية في الذاكرة العربية حتى اليوم وما زال مقام السيكا الذي بني عليه اللحن يمنحها ذلك الشجن العذب الذي يجعلها قادرة على ملامسة القلوب جيلا بعد جيل مؤكدا ان الاعمال العظيمة لا تشيخ ابدا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى