صديق الكحلاوي .. رائد الأغنية الطربية
يمثل صوت العبقرية الشعبية

تقرير: سراج الدين مصطفى
النشأة الفنية:
ولد الفنان الكبير صديق أحمد محمد طه المعروف فنيا باسم صديق الكحلاوي في أواخر عشرينيات القرن الماضي بقلب مدينة أم درمان العريقة وتحديدا في حي العرب الذي عرف تاريخيا بأنه مفرخ الإبداع والمبدعين والشعراء نشأ الراحل في هذه البيئة الملهمة التي شكلت وجدانه الفني وصقلت موهبته الفطرية الفريدة مبكرا جدا
اللقب التجاري:
جاء لقب الكحلاوي تأثرا بإعجابه الشديد بالفنان والممثل المصري المعروف محمد الكحلاوي في ذلك الوقت حيث كان يردد أغنياته الشهيرة في بداياته الأولى فالتصق به هذا الاسم تجاريا وفنيا ليصبح ماركة مسجلة ومميزة للإبداع والتميز السوداني الخالص وشعارا تتردد أصداؤه العميقة بكل فخر في الساحة الفنية لسنوات طويلة
الانطلاقة القوية:
بدأ مسيرته الإبداعية الملفتة في خمسينيات القرن الماضي حيث تم اعتماده رسميا كصوت غنائي متميز وباهر في الإذاعة السودانية العريقة قدم منذ البداية طابعا مغايرا ومنعشا للساحة الفنية التي كانت تمر آنذاك بمرحلة انتقالية دقيقة وهامة بين جيل الحقيبة الكلاسيكي وجيل الأوركسترا الحديثة ليرسم ملامح عهد فني جديد ومبتكر
العبقرية الأدائية:
تجلت العبقرية الحقيقية لصديق الكحلاوي في قدرته الفائقة على إعادة صياغة مفهوم المغني الشعبي بالكامل ونقله ببراعة من الأداء التقليدي البسيط إلى مصاف المطرب الصاحب الصنعة العالية نجح بذكائه الفني في التجسير بين بساطة أغاني الحقيبة وإيقاعات التم تم الراقصة وبين التطوير الموسيقي الطربي الحديث الذي يواكب العصر
الحليات الصوتية:
أحدث الكحلاوي نقلة نوعية كبرى في الغناء الشعبي من خلال إدخال العرب والحليات الصوتية الدقيقة والتموجات السريعة في نهاية المقاطع الممدودة منحت هذه التقنيات المبتكرة الأغاني بعدا جماليا باهرا وأزالت عنها الرتابة المعتادة ووظف تقنيات الزغردة الصوتية الخفيفة التي تمنح المستمعين شعورا عميقا من السلطنة الطربية الفريدة والجاذبية الشديدة
التلوين المقامي:
تميزت مدرسته الأدائية بقدرة مذهلة على التلوين النغمي والصوتي بين مساحات القرار والجواب بسلاسة فائقة ودون أي مجهود مستغرب كان يمتلك حنجرة مرنة للغاية تتنقل داخل السلم الخماسي ببراعة حيث عرف تماما كيف يطوع الكلمة الشعرية ويلبسها اللحن المناسب مستعرضا إمكانيات صوتية استثنائية وظفها لخدمة النص الفني بعبقرية
الإرث الخالد:
أثرى الراحل الكبير المكتبة الصوتية السودانية بالعديد من الروائع الخالدة مثل أغنيات شقى ومجنون وريدة زمان والتي تناقلتها الأجيال المتعاقبة بإعجاب شديد أثبتت مسيرته عمليا أن الغناء الشعبي يمكن أن يرتقي لقمة التطريب والتعقيد الجمالي العالي دون أن يفقد بساطته وقربه الوجداني من نبض الإنسان السوداني
الرحيل الباقي:
غيب الموت الفنان صديق الكحلاوي في عام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين مخلفا وراءه مدرسة فنية ملهمة ورائدة لا تموت بمرور الزمن ترك الكحلاوي بصمة عميقة وهبت رياح تجديده لتهتدي بها الأجيال الفنية اللاحقة في تيار الغناء الشعبي المطور ليظل اسمه محفورا بأحرف من نور في وجدان وتاريخ الموسيقى السودانية المعاصرة.



