علم الدين عمر يكتب : الخدمة المدنية.. إنتصار العقل يُفرح

حاجب الدهشة ..
كنتُ قد ناشدت بالأمس السيد رئيس مجلس السيادة للتدخل العاجل لوقف مذبحة الخدمة المدنية من قبل لجنة من (الأفندية) أوصت بتقليص موظفي الخدمة العامة بأكثر من ستين بالمائة مع إجراءات أخري بحق القطاع العام..وللحق لستُ ممن يفرحون بتراجع اللجان أو تجميد التوصيات أو سحب الملفات من أجندة الإجتماعات الحكومية لأسباب متعلقة بالضغط الإعلامي..بيد أنني أعترف أن ما وصلنا من معلومات عن وقف التداول حول توصيات لجنة إصلاح الخدمة المدنية وسحبها من أجندة مجلس الوزراء بالأمس يستحق التوقف عنده كإنتصار للمنطق أكثر من كونه انتصاراً للإعلام وإستجابة للضغوط..
فالخدمة المدنية السودانية ليست بنداً مالياً في الموازنة العامة ليتم شطبها أو تقليصها والعبث بتاريخها بجرة قلم.. وهي كذلك ليست ملفاً فنياً معزولاً يمكن التعامل معه بعقلية الطوارئ أو الخاطرة الإدارية العابرة.. هي واحدة من أهم ركائز الدولة السودانية الحديثة وأحد أعمدة إستقرارها التاريخي..
والحقيقة أن ردود الفعل الواسعة التي أعقبت نشر تلك التوصيات كشفت أمراً بالغ الأهمية.. وهو وجود من يؤمن بأن الدولة عبارة عن مؤسسات وتراكم خبرات وذاكرة إدارية وقوانين ولوائح وتقاليد مهنية تشكل مجتمعة ما يسمى بالسيادة والإرادة الوطنية..
لقد كان من الحكمة التوقف وإعادة النظر..
ومن الحكمة أكثر ألا نكتفي بإيقاف الخطأ.. بل أن نبحث عن الطريق الصحيح..
فإذا كانت الخدمة المدنية تحتاج إلى إصلاح ـ وهي تحتاج إليه بالفعل ـ فإن السؤال الأكثر إلحاحاً هو كيف نبني جهازاً حكومياً أكثر كفاءة وعدالة وإنتاجية؟
ولعل البداية الصحيحة تكمن في خمس خطوات رئيسية وواضحة..
أولاً: العودة إلى المرجعيات الوطنية السابقة بكل شجاعة..
فالدولة السودانية لم تبدأ أمس حتى نتعامل مع ملف الخدمة المدنية وكأنه أرض بكر لم تطأها الدراسات والمؤتمرات..
خلال العقود الماضية انعقدت عشرات الورش والمؤتمرات والمنتديات المتخصصة..وأُعدت دراسات وتقارير متكاملة حول إصلاح الخدمة المدنية والهيكل الراتبي وقوانين العمل العام والتدريب والتوصيف الوظيفي..
ومن العبث وعدم الأمانة أن تبدأ كل لجنة جديدة من نقطة الصفر وكأن كل ما سبقها لم يكن..
ثانياً: إجراء حصر شامل ودقيق للخدمة المدنية..إذ لا يمكن بناء إصلاح حقيقي على أرقام محل جدل أو تقديرات غير مكتملة..
المطلوب إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة تشمل العاملين بالدولة علي المستويات الاتحادية والولائية والهيئات والمؤسسات العامة.. مع توصيف دقيق للوظائف والمؤهلات وسنوات الخدمة والإحتياجات الفعلية لكل مؤسسة..
فالإصلاح يبدأ بالمعلومة الصحيحة..
ثالثاً: إصلاح الوظيفة نفسها مع تثبيت قاعدة أن توظيف المواطنين في القطاع العام هو غاية وليس وسيلة أداء..
فكثير من مشكلات الأداء الحكومي لا تعود إلى الموظف بقدر ما تعود إلى تضارب الإختصاصات وضعف الهياكل الإدارية وقدم اللوائح وغياب التدريب..
ولهذا فإن إعادة هندسة الإجراءات وتحديث النظم الإلكترونية وتبسيط دورة العمل قد تحقق وفورات وكفاءة أكبر بكثير من سياسة التسريح الجماعي..
رابعاً: إنشاء مجلس أعلى للخدمة المدنية
بدلاً من اللجان المؤقتة التي تأتي وتذهب مع تبدل الظروف.. تحتاج الدولة إلى جسم مهني دائم يضم خبراء الإدارة والقانون والإقتصاد والموارد البشرية يتولى وضع السياسات العامة ومتابعة تنفيذها وتقييم الأداء بصورة مستمرة بعيداً عن الضغوط السياسية والمزاجية..
خامساً: ربط الإصلاح بمشروع إعادة الإعمار فالسودان بعد الحرب لا يحتمل تقليص قدراته الإدارية..بل يحتاج إلى مضاعفتها..
فإعادة بناء المدارس والمستشفيات والطرق والسجل المدني والخدمات الأساسية ستتطلب جهازاً حكومياً أكثر كفاءة وأكثر تدريباً وأكثر انتشاراً..
ما يدعو الدولة لتوسيع قدراتها المؤسسية قبل أن تفكر في تقليصها..
إن ما حدث خلال الأيام الماضية ينبغي ألا يُقرأ كمجرد خلاف حول تقرير أو توصيات لجنة من الأفندية بل باعتباره درساً مهماً في إدارة الشأن العام..
مثل هذا القرار يمس مستقبل الدولة ويطعن في كفاءة الحكومة..
ولهذا فإننا نحيي كل الأصوات المهنية والإدارية والإعلامية التي دافعت عن الخدمة المدنية..وسعت بذمتها..كما نحيي القرار الحكيم بالتريث وإعادة النظر..
لكن المعركة لم تنته بعد..
فالخدمة المدنية السودانية ما تزال تحتاج إلى إصلاح عميق وشجاع.. إصلاح يعالج الترهل دون أن يهدم المؤسسات..ويكافح الفساد دون أن يعاقب الأبرياء..ويعزز الكفاءة دون أن يبدد الخبرات..
أما أولئك الذين ظنوا أن إصلاح الدولة يبدأ بذبح موظفيها..فقد تلقوا درساً بليغاً هذا الإسبوع..
نعود..



